ابن الجوزي
47
فضائل القدس
ومع أنه كان يعارض أهل بعض المذاهب الأخرى . ولا سيّما الشيعة ، فإنه حين اضطهده خادم المقتفي لجأ إلى اللّه تعالى ، واكتفى بأن دعا عليه . وكان يشيد في كتبه بالأمانة والصدق والعفة كما نرى في كتابه « ذمّ الهوى » ، وفي كتابه « صفة الصفوة » . وهو يحب الحقّ في المناظرة ، فتراه يقول : « ومن ذلك أحدهم يتبين له الصواب مع خصمه ، ولا يرجع ، ويضيق صدره كيف ظهر الحق مع خصمه ، وربما اجتهد في رده مع علمه أنه الحق ، وهذا من أقبح القبائح ، لأن المناظرة إنما وضعت لبيان الحق » « 100 » . ويظهر من مجالسه ووعظه ، وتهافت الناس على حضورها وسماعه ، وتوبة الكثيرين على يديه ، أنه كان ديّنا حقّا ومخلصا في عقيدته . وقد شهد بذلك الرحالة ابن جبير كما رأينا حين حضر مجالسه ، وأثنى عليه في كتاب رحلته ، وذكر التائبين على يديه ، وكيف كان يملأ الناس إنابة وندامة . ومع أن سبطه ذكر عنه أنه ما مازح أحدا قطّ ، فإننا نرى في اخباره أنه كان على رزانته يحب المزاح اللطيف والمفاكهة ، بحيث قال عنه ابن العماد الحنبلي ( وقد أكثر النقل عنه ) : « وله مجون لطيف ومداعبات حلوة » « 101 » . وقال عنه ابن الفرات : « وكان له على المنبر نكت لطاف ، ومعاني [ كذا ] طراف ، على طريقة البغداديين ، لا يكاد يفهمها غيرهم . كان يتخالع فيها ويتمازح » « 102 » . منها واحدة تدل على نباهته وسرعة خاطره ، فقد زعموا « أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ( رضي اللّه عنهما ) ، فرضي الكل بما يجيب الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ، فأقاموا شخصا يسأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس
--> ( 100 ) ابن الجوزي ( تلبيس ) 120 . ( 101 ) ابن العماد الحنبلي 4 : 330 . ( 102 ) ابن الفرات المجلد 4 ج 2 ص 216 .