ابن عبد الحكم
98
فتوح مصر والمغرب
قال : فحدثنا هانئ بن المتوكّل ، حدثنا ابن لهيعة ، عن بكر بن عمرو الخولاني ، أن عبد العزيز بن مروان حين قدم الإسكندرية سأل عن فتحها ، فقيل له : لم يبق ممّن أدرك فتحها إلا شيخ كبير من الروم ، فأمرهم فأتوه به ، فسأله عمّا حضر من فتح الإسكندرية ، فقال : كنت غلاما شابّا ، وكان لي صاحب ابن بطريق « 1 » من بطارقة الروم ، فأتاني ، فقال : ألا تذهب بنا حتى ننظر إلى هؤلاء العرب الذين يقاتلوننا ؟ فلبس ثياب ديباج ، وعصابة ذهب ، وسيفا محلّى ، وركب برذونا سمينا كثير اللحم ، وركبت أنا برذرنا خفيفا ، فخرجنا من الحصون كلها حتى برزنا على شرف ، فرأينا قوما في خيام لهم عند كل خيمة فرس مربوط ورمح مركوز ، ورأينا قوما ضعفاء ، فعجبنا من ضعفهم ، وقلنا : كيف بلغ هؤلاء القوم ما بلغوا ؟ فبينا نحن وقوف ننظر إليهم ونعجب إذ خرج رجل منهم من بعض تلك الخيام ، فنظر ، فلما رآنا حلّ فرسه ، فمعّكه ، ثم مسحه ، ووثب على ظهره وهو عرى ، وأخذ الرمح بيده ، وأقبل نحونا ، فقلت لصاحبي : هذا واللّه يريدنا ، فلما رأيناه مقبلا إلينا لا يريد غيرنا أدبرنا مولّين نحو الحصن ، وأخذ في طلبنا ، فلحق صاحبي لأن برذونه كان ثقيلا كثير اللحم ، فطعنه برمحه ، فصرعه ، ثم خضخض الرمح في جوفه حتى قتله . ثم أقبل في طلبي ، وبادرت ، وكان برذونى خفيف اللحم ، فنجوت منه حتى دخلت الحصن ؛ فلما دخلت الحصن أمنت ، فصعدت على سور الحصن أنظر إليه ، فإذا هو لمّا أيس منى رجع ، فلم يبال بصاحبي الذي قتله ، ولم يرغب في سلبه ، ولم ينزعه عنه ، وقد كان سلبه ثياب الديباج وعصابة من ذهب ولم يطلب دابّته ، ولم يلتفت إلى شئ من ذلك ، وانصرف من طريق أخرى ، وأنا انظر إليه ، وأسمعه يتكلّم بكلام ، ويرفع به صوته ، فظننت أنه إنما يقرأ بقرآن العرب ، فعرفت عند ذلك أنهم إنما قووا على ما قووا عليه ، وظهروا على البلاد لأنهم لا يطلبون الدنيا ولا يرغبون في شئ منها ، حتى بلغ خيمته ، فنزل عن فرسه فربطه ، وركز رمحه ، ودخل خيمته ، ولم يعلم بذلك أحدا من أصحابه . فقال عبد العزيز : صف لي ذلك الرجل وهيئته وحالته « 2 » فقال : نعم ، هو قليل
--> ( 1 ) ب ، ج : « لبطريق » . ( 2 ) ج : « وحاله » .