ابن عبد الحكم
94
فتوح مصر والمغرب
الروم يعلمه ما « 1 » فعل ، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم ؛ وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه . وكتبوا به كتابا ، وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتابا يعلمه على وجه الأمر كلّه ، فكتب إليه ملك الروم يقبّح رأيه ويعجّزه ، ويردّ عليه ما فعل ، ويقول في كتابه : إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا ، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى ؛ فإن كان القبط كرهوا القتال ، وأحبّوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا ، فإنّ عندك بمصر من الروم بالإسكندرية « 2 » ومن معك أكثر من مائة ألف ، معهم العدّة والقوّة . والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت ، فعجزت عن قتالهم ، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم في حال القبط أذلّاء ، ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت ، أو تظهر « 3 » عليهم ؛ فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوّتكم ، وعلى قدر قلّتهم وضعفهم كأكلة ، فناهضهم القتال ، ولا يكون لك رأى غير ذلك . وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم . فقال المقوقس لّما أتاه كتاب ملك الروم : واللّه إنهم على قلّتهم وضعفهم أقوى وأشدّ منّا على كثرتنا وقوّتنا ، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منّا ؛ وذلك أنهم قوم الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة ، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل « 4 » ، يتمنّى ألّا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده ، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا ، ويقولون : إنهم إن قتلوا دخلوا الجنّة ، وليس لهم رغبة في الدنيا ، ولا لذّة إلّا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس ، ونحن قوم نكره الموت ، ونحبّ الحياة ولذّتها ، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء ، وكيف صبرنا معهم ! واعلموا معشر الروم ، واللّه إني لا أخرج مما دخلت فيه ، ولا صالحت العرب عليه ؛ وإني لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى رأيي وقولي « 5 » وتتمنون أن لو كنتم أطعتمونى ؛ وذلك أنى قد عاينت ورأيت ، وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ، ولم
--> ( 1 ) ب : « بما » . ( 2 ) ك ، والسيوطي وهو ينقل عن ابن عبد الحكم « وبالإسكندرية » . ( 3 ) ب ، ج ، د ، ك : « تظفر » . ( 4 ) في السيوطي وهو ينقل عن ابن عبد الحكم « مستقل » . ( 5 ) ك والسيوطي وهو ينقل عن ابن عبد الحكم : « قولي ورأيي » .