ابن عبد الحكم
92
فتوح مصر والمغرب
وأمروا بقطع الجسر « 1 » من « 2 » الفسطاط ؛ وبالجزيرة « 3 » وبالقصر من جمع « 4 » القبط والروم جمع كثير ، فألحّ عليهم المسلمون عند ذلك بالقتال على من في القصر حتى ظفروا بهم ، وأمكن اللّه منهم ، فقتل منهم خلق كثير ، وأسر من أسر ، وانحازت السفن كلّها إلى الجزيرة ، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل وجه « 5 » ، لا يقدرون على أن ينفذوا « 6 » نحو الصعيد ، ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى ، والمقوقس يقول لأصحابه : ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم ؟ ما تنتظرون ! فو اللّه لتجيبنّهم « 7 » إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهّم « 7 » إلى ما هو أعظم منه كرها ، فأطيعونى من قبل أن تندموا . فلما رأوا منهم ما رأوا ، وقال لهم المقوقس ما قال ، أذعنوا بالجزية ، ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه ، وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص : إني لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إلىّ بها ، فأبى ذلك علىّ من حضرني من الروم والقبط ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم ، وقد عرفوا نصحى لهم وحبّى صلاحهم ، ورجعوا إلى قولي ، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك ، فإن استقام الأمر بيننا تمّ ذلك لنا جميعا ؛ وإن لم يتمّ رجعنا إلى ما كنّا عليه . فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا : لا نجيبهم إلى شئ من الصلح ولا الجزية ، حتى يفتح اللّه علينا وتصير الأرض كلّها لنا فيئا وغنيمة ، كما صار لنا القصر وما فيه ، فقال عمرو : قد علمتم ما عهد إلىّ أمير المؤمنين في عهده ، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلىّ فيها أجبتهم إليها ، وقبلت منهم ، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم . فاجتمعوا على عهد بينهم ، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران عن كل نفس شريفهم
--> ( 1 ) د : « الجسور » . ( 2 ) في السيوطي وهو ينقل عن ابن عبد الحكم « بين » . ( 3 ) ب ، ج ، ك : « والجزيرة » . ( 4 ) ب : « جميع » . ( 5 ) ب ، ج : « جهة » . ( 6 ) ب ، ج : « يتقدموا » . ( 7 ) ج : « لنجيبنهم » .