ابن عبد الحكم

66

فتوح مصر والمغرب

شهاب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد القارىّ ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قام ذات يوم على المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ، وتشهد ، ثم قال : أمّا بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم فلا تختلفوا علىّ كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم ، وذلك أن اللّه تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى أن ابعث إلى ملوك الأرض فبعث الحواريّين ، فأما القريب مكانا فرضى ، وأما البعيد مكانا فكره ، وقال : لا أحسن كلام من تبعثني إليه ، فقال عيسى : اللهمّ أمرت الحواريّين بالذي أمرتني فاختلفوا علىّ ؛ فأوحى اللّه إليه إني سأكفيك ، فأصبح كل إنسان منهم يتكلّم بلسان الذي وجه إليهم « 1 » . فقال المهاجرون : يا رسول اللّه ، واللّه لا نختلف عليك أبدا في شئ ، فمرنا وابعثنا ، فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية ، وشجاع بن وهب الأسدي [ إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ، وعبد اللّه بن أبي حذافة السهمي « 2 » ] إلى كسرى ، وبعث دحية بن خليفة إلى قيصر ، وبعث عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي أميري عمان ، ثم ذكر الحديث . ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق وغيره ، قال : فمضى حاطب بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، فلما انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر ، فركب البحر ؛ فلما حاذى مجلسه ، أشار بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، بين إصبعيه فلما رآه أمر بالكتاب فقبض ، وأمر به فأوصل إليه ، فلما قرأ الكتاب قال : ما منعه إن كان نبيا أن يدعو علىّ فيسلّط علىّ ! فقال له ، حاطب : ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل ! فوجم ساعة ، ثم استعادها فأعادها عليه حاطب ، فسكت ، فقال له حاطب : إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الربّ الأعلى فانتقم اللّه به ثمّ انتقم منه ؛ فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك . وإنّ لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه ، وهو الإسلام الكافي اللّه به فقد ما سواه ، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ، ولكنّا نأمرك به ، ثم قرأ الكتاب : بسم اللّه الرّحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه ، إلى المقوقس عظيم القبط ، سلام

--> ( 1 ) ج : « إليه » . ( 2 ) ساقط من طبعة تورى وأكملته من ابن هشام ق 2 ص 607 .