ابن عبد الحكم

59

فتوح مصر والمغرب

جالسا في داره فأخبرناه أنّا استطلنا يومنا ، فقال : وأنا مثل ذلك ، إنما خرجت حين استطلته ، ثم أقبل علينا فقال : كنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أخدمه ، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب ، فقالوا : استأذن لنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فانصرفت إليه ، فأخبرته بمكانهم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما لي ولهم ، يسألونني عمّا « 1 » لا أدرى ، إنما أنا عبد لا علم لي إلّا ما علّمنى ربّى . ثم قال أبلغنى وضوءا فتوضّأ ، ثم قام إلى مسجد بيته ، فركع ركعتين ، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر ، ثم انصرف ، فقال : أدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي فأدخله قال فأدخلتهم « 2 » ، فلما دفعوا إلى رسول اللّه « 3 » صلّى اللّه عليه وسلم قال لهم : إن شئتم أخبرتكم عمّا « 4 » أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلّموا ، وإن أحببتم تكلّمتم وأخبرتكم ! قالوا : بل أخبرنا قبل أن نتكلّم ، قال : جئتم تسألونني عن ذي القرنين ، وسأخبركم كما « 5 » تجدونه مكتوبا عندكم ؛ إن أوّل أمره أنه غلام من الروم ، أعطى ملكا ، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر ، فابتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندريّة فلما فرغ من بنائه أتاه ملك ، فعرج به حتى استقلّه فرفعه ، فقال : انظر ما تحتك فقال : أرى مدينتى ، وأرى مدائن معها ، ثم عرج به ، فقال : انظر ، فقال : قد اختلطت مدينتى مع المدائن فلا أعرفها . ثم زاد فقال : انظر فقال : أرى مدينتى وحدها ولا أرى غيرها ، قال له الملك : إنما تلك الأرض كلّها والذي ترى يحيط بها هو البحر ، وإنّما أراد ربّك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها ، وسوف تعلّم الجاهل وتثبّت العالم ، فسار حتى بلغ مغرب الشمس ، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس ، ثم أتى السدّين وهما جبلان ليّنان يزلق عنهما كلّ شئ ، فبنى السدّ ، ثم أجاز يأجوج ومأجوج ، فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب ، يقاتلون يأجوج ومأجوج ، ثم قطعهم فوجد أمّة قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب ، ووجد أمّة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار ، ثم مضى فوجد

--> ( 1 ) ج : « عن من » . ( 2 ) ج : « فأدخلهم » . ( 3 ) فلما دفعوا إلى رسول اللّه : تحرفت في طبعة عامر إلى « فلما دفعوا رسول الله » . ( 4 ) ج : « على ما » . ( 5 ) د : « عما » .