محمد بن أحمد الفاسي
80
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
قال الزبير : فأخبرني عمى مصعب بن عبد اللّه ، أن مصعب بن عبد الرحمن لما قتله ، خرج حتى أتى أخاه حميد بن عبد الرحمن ، فأخبره خبره ، فأمر حميد بالتّنّور فأوقد ، ثم أمر بثيابه فطرحت في التّنّور ، ثم ألبسه ثيابا غيرها ، وغدا به معه إلى الصبح . وقال له : إنك ستسمع قائلا يقول : كان من الأمر كيت وكيت ، حتى تراه كان معكم ، فلا يروعنّك ذلك . فأصبح الناس يتحدثون بقتل ابن هبار كأنهم حضروه ، وينظرون إلى مصعب جالسا مع أخيه حميد ، فيكذّبون بذلك . وكانت أخت إسماعيل بن هبار قد قالت لأخيها حين دعوه : لا تخرج إليهم ، فعصاها . فلما قتل ، أرسلت أخته إلى عبد اللّه بن الزبير فأخبرته خبرهم ، فركب في ذلك عبد اللّه والمنذر ابنا الزبير ، وغيرهما من بنى أسد بن عبد العزى ، إلى معاوية بالشام مرّتين . وقالت في ذلك أخت إسماعيل بن هبار [ من البسيط ] : قل لأبى بكر الساعي بذمته * ومنذر مثل ليث الغابة الضاري شدّا فدى لكما أمي وما ولدت * لا يخلصنّ إلى المخزاة والعار وقال قائل « 2 » [ من البسيط ] : فلن أجيب بليل داعيا أبدا * أخشى الغرور كما غرّ ابن هبّار قد بات جارهم في الحشّ منعفرا « 3 » * بئس الهدّية لابن العم والجار فقال لهم معاوية : احلفوا على واحد من ثلاثة . فأبى ابن الزبير أن يحلفوا إلا على الثلاثة ، فأمرهم معاوية ، فحملوا إلى مكة ، فاستحلف كل واحد منهم خمسين يمينا عن نفسه ، ثم جلد كل رجل منهم مائة ، وسجنهم سنة ، ثم خلّى سبيلهم . فاستعمل بعد ذلك مروان بن الحكم ، مصعب بن عبد الرحمن على شرط المدينة ، وضم إليه رجالا من أهل أبيه ، وكان سلطان مروان قد ضعف ، فلما استعمل مصعب بن عبد الرحمن على شرطه ، اشتد على الناس ، وحبس كل من وجده يخرج بالليل ، فقال في ذلك عبيد اللّه ابن قيس الرقيات « 4 » [ من الخفيف ] : حال دون الهوى ودو * ن سرى الليل مصعب وسياط على أل * ف رجال تقلب
--> ( 2 ) البيتان لابن عبيد اللّه بن قيس الرقيات . انظر ديوانه 183 . ( 3 ) في الديوان : باتوا يجرونه في الحش منجدلا . ( 4 ) انظر نسب قريش 8 / 268 .