محمد بن أحمد الفاسي

79

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

في موكبه ببعض الطريق ، دنا منه عبد اللّه بن مطيع بن الأسود ، فكلّمه بشئ ، فرد عليه مروان ، فأجابه ابن مطيع ، فأغلظ له في القول ، فأقبل مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو يومئذ على شرط مروان ، فضرب وجه ناقة ابن مطيع بسوطه ، وقال له ، تنحّ ، فتنحى ، وأقبل صخير بن أبي جهم يتخلل الموكب ، حتى دنا من مصعب ، فحطم أنفه بالسوط ، ثم ولى وهو على ناقة له مهريّة منكرة ، وأمسك مصعب أعلا وجهه ، ثم دنا من مروان فأخبره الخبر ، واستعداه على صخير ، فغضب غضبا وقال : علىّ به ، واللّه لأقطعنّ يده ، فقال له ابن مطيع : لقد أردت أن تكسر جذمى قريش ، فاتّبعه قوم فلم بقدروا عليه ، ولم يتعلقوا بشئ حتى نجا ، فقال في ذلك صخير بن أبي جهم : نحن حطمنا بالقضيب مصعبا * يوم كسرنا أنفه ليغضبا لعل حربا بيننا أن ينشبا * ثم أساء عارتنا أن يعتبا فلم نجد إلا السلام مذهبا * إذا مشت حولى عدىّ نصبا وفيها غير ذلك مما كرهت أن أذكره . وقال الزبير أيضا : ولطم صخير بن أبي جهم وجه مصعب ، ومصعب على شرط مروان ، ثم أعجزه ، وحالت دونه بنو عدى ، وجمعت له زهرة ، وكاد الشر يقع بينهم . وقدم معاوية حاجا ، فمشت إليه رجال بنى عدى ، وكلموه أن يسأل مصعبا أن يعرض عن ذلك ، وقالوا : كانت طيرة من صاحبنا ، فليستقد منه مثل ما صنع به ، أو من أينّا شاء ، وليهب لنا حق السلطان . فكلمه معاوية ، فأبى أشد الإباء وامتنع ، وقال : استخفّ بسلطانى ، لا أرضى حتى يؤتى به وأعاقبه عقوبة مثله ، فقيل لبنى عدى : أخطأتم موضع الطلب ، كلموا مروان ، فكلموه فقال : أبعد أمير المؤمنين ؟ قالوا : نعم ، أنت اصطنعته ، وأنت أولى به ، فأتى مروان فكلمه ، فقال له : فهلا أرسلت إلىّ ؟ وما عنّاك ؟ لو علمت هواك لفعلته ، قد تركت ذلك لك ، فبلغ معاوية ما صنع ، فغضب عليه ، وقال : أجبت مروان ولم تجبنى ! فقال له مصعب : وما تنكر من ذلك ؟ أخذني مروان وقد أفسدتنى ، فاصطنعنى وأصلح ما أفسدت منى ، فشكرته على ذلك . فلم ينكر عليه معاوية . وقال أيضا : ومن ولد هبّار - يعنى ابن الأسود - : إسماعيل بن هبار . وأمه أم ولد . وكان من فتيان المدينة المشهورين بالجلد والفتوة ، فأتاه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ، ومعاذ بن عبيد اللّه بن معمر ، وعقبة بن جعونة بن شعوب الليثي ، فصاحوا به ليلا ، فخرج إليهم مغترّا ، فاستتبعوه في حاجة ، فمضى معهم ، فقتلوه ، فأصبح في خراب لبنى زهرة ، يسمى حشّ بنى زهرة ، أدبار مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم .