محمد بن أحمد الفاسي

212

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

اشتد بكاؤه ، وقال : قد خشيت أن يكون هذا من الشيطان ، وقال : عجبا للعالم ! كيف تجيبه دواعي قلبه إلى ارتياح الضحك ، وقد علم أن له في القيامة روعات ووقفات وفزعات ، ثم غشى عليه . وقال : لو أن علماءنا عفا اللّه عنا وعنهم ، نصحوا للّه في عباده ، فقالوا : يا عباد اللّه ، اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم صلى اللّه عليه وسلّم ، وصالح سلفكم ، من الزهد في الدنيا ، فاعملوا به ، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفسلة ، كانوا قد نصحوا للّه في عباده ، ولكنهم يأبون إلا أن يجروا عباد اللّه إلى فتنتهم ، وما هم فيه . وقيل له : أيجد طعم العبادة من يعصى اللّه ؟ قال : لا ، ولا من يهم بالمعصية . وقال علي بن أبي بكر : اشتهى وهيب لبنا ، فجاءته خالته به من شاة لآل عيسى بن موسى ، فسألها عنه ، فأخبرته ، فأبى أن يأكله ، فقالت له : كل ، فأبى ، فعاودته وقالت له : إني أرجو إن أطعته أن يغفر اللّه لك - أي باتباع شهوتي - فقال : ما أحب أنى أكلته ، وأن اللّه غفر لي ! فقالت : لم ؟ فقال : إني أكره أن أنال مغفرته بمعصيته . وقال : لو قمت قيام هذه السارية ، ما نفعك ، حتى تنظر ما يدخل بطنك ، حلال أم حرام ! وقال : اتق اللّه أن تسبّ إبليس في العلانية ، وأنت صديقه في السر . وقال بشر بن الحارث : كان وهيب بن الورد ، تبين خضرة البقل في بطنه من الهزال . قال : وبلغني أن وهيبا كان إذا أتى بقرصيه ، بكى حتى يبلهما . وقال : من عد كلامه من علمه ، قل كلامه . وقال : اتق أن يكون اللّه أهون الناظرين إليك . وقال : نظرنا في هذا الحديث ، فلم نجد شيئا أرق لهذه القلوب ، ولا أشد استجلابا للحق ، من قراءة القرآن لمن تدبره . وقال لابن المبارك : غلامك يتجر ببغداد ؟ قال : لا يبايعهم ، قال : أليس هو ثم ؟ فقال له ابن المبارك : فكيف تصنع بمصر وهم إخوان ؟ قال : فو اللّه لا أذوق من طعام مصر أبدا ، فلم يذق حتى مات . وكان يتعلل بتمر ونحوه حتى مات . وقال سفيان : رأى وهيب قوما يضحكون يوم الفطر ، فقال : إن كان هؤلاء يقبل منهم صيامهم ، فما هذا فعل الشاكرين ! . وإن كان هؤلاء لم يتقبل منهم صيامهم ، فما هذا فعل الخائفين ! .