محمد بن أحمد الفاسي
211
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وقال زهير بن عباد : وكان فضيل بن عياض ، ووهيب بن الورد ، وعبد اللّه بن المبارك ، جلوسا ، فذكرو الرطب ، فقال وهيب : قد جاء الرطب ، فقال عبد اللّه بن المبارك : يرحمك اللّه ، هذا آخره ، أو لم تأكله ؟ قال : لا . قال : ولم ؟ قال وهيب : بلغني أن عامة أجنة مكة من الصوافى والقطائع ، فكرهتها . فقال ابن المبارك : يرحمك اللّه ، أوليس قد رخص في الشراء من السوق ، إذا لم تعرف الصوافى والقطائع منه ، وإلا ضاق على الناس خيرهم ، أوليس عامة ما يأتي من قمح مصر ، إنما هو من الصوافى والقطائع ؟ ولا أحسبك تستغنى عن القمح ، فسهّل عليك . قال : فصعق وهيب ، فقال فضيل لعبد اللّه : ما صنعت بالرجل ؟ فقال ابن المبارك : ما علمت أن كل هذا الخوف قد أعطيه . فلما أفاق وهيب ، قال : يا ابن المبارك ، دعني من ترخيصك ، لا جرم لا آكل من القمح إلا كما يأكل المضطر من الميتة . فزعموا أنه نحل جسمه حتى مات هزلا . وقال حازم الديلمي : قيل لوهيب بن الورد : ألا تشرب من زمزم ؟ قال : بأي دلو ؟ . وقال شعيب بن حرب : ما احتملوا لأحد ما احتملوا لوهيب ، كان يشرب بدلوه . وقال ابن المبارك : ما جلست إلى أحد ، كان أنفع لي مجالسة من وهيب . وكان لا يأكل من الفواكه ، وكان إذا انقضت السنة ، وذهبت الفواكه ، يكشف عن بطنه وينظر إليه ويقول : يا وهيب ، ما أرى بك بأسا ، ما أرى تركك للفواكه ضرك شيئا ! . وقال : كان يقال : الحكمة عشرة أجزاء ، فتسعة منها في الصمت ، والعاشرة عزلة الناس ، فعالجت نفسي على الصمت ، فلم أجدني أضبط كما أريد منه ، فرأيت أن هذه الأجزاء العشرة ، عزلة الناس . وقال ابن أبي رواد : انتهيت إلى رجل ساجد خلف المقام ، في ليلة باردة مطيرة ، يدعو ويبكى ، فطفت أسبوعا ، ثم عدت ، فوجدته على حاله ، فقعدت قريبا منه الليل كله ، فلما كان جوف الليل ، سمعت هاتفا يقول : يا وهيب بن الورد : ارفع رأسك ، فقد غفر لك ، فلم أر شيئا . فلما برق الصبح ، رفع رأسه ومضى ، فاتبعته ، قلت : أو ما سمعت الصوت ؟ فقال : أي صوت ؟ فأخبرته ، فقال : لا تخبر أحدا . فما حدثت به أحدا حتى مات وهيب . وقال محمد بن يزيد : كانوا يرون الرؤيا لوهيب ، أنه من أهل الجنة ، فإذا أخبر بها