محمد بن أحمد الفاسي
15
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
كثرتهم ، ولهما أوقاف كثيرة ، تقوم بجميع ما يحتاج إليه ذلك الخلق ، ولا بد عند سفر كل واحد من نفقة يأخذها ، وكان ينزل بنفسه إليهم ، ويعمل عندهم السماعات في كثير من الأوقات . وكان يسيّر في كل سنة دفعتين ، جماعة من أمنائه إلى بلاد الساحل ، ومعهم جملة مستكثرة من المال ، يفتكّ بها أسرى المسلمين من أيدي الكفار ، فإذا وصلوا إليه ، أعطى كل واحد شيئا ، وإن لم يصلوا ، فالأمناء يعطونهم بوصية منه في ذلك ، وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج ، ويسيّر معه جميع ما تدعو حاجة المسافر إليه في الطريق ، ويسيّر صحبته أمينا ، صحبته خمسة أو ستة آلاف دينار ، ينفقها بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب . وله بمكة حرسها اللّه تعالى آثار جميلة وبعضها باق إلى الآن . وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف ، وغرم عليه جملة كثيرة ، وعمل في الجبل مصانع للماء ، فإن الحاج كانوا يتضررون من عدم الماء هناك ، وبنى له تربة أيضا هناك . وذكر شيئا من صفة المولد ، ثم قال : وقد ذكرت في ترجمة الحافظ أبى الخطاب بن دحية ، وصوله إلى إربل ، وعمله كتاب « التنوير في مولد السراج المنير » لما رأى اهتمام مظفر الدين به ، وأنه أعطاه ألف دينار ، غير ما غرم عليه مدة إقامته من الإقامات الوافرة ، وكان رحمه اللّه إذا أكل شيئا من الطعام وغيره واستطاب به ، لا يختص به ، بل إذا كان أكل لقمة طيبة من زبدية ، قال لبعض الجنادرة : احمل هذه إلى الشيخ فلان أو فلانة ، ممن هم عنده مشهورون بالصلاح ، وكذلك يعمل في سائر المأكول من الفاكهة والحلوى وغير ذلك من المطاعم والمشارب والكسا . وكان كريم الأخلاق ، كثير التواضع ، حسن العقيدة ، سالم البطانة ، شديد الميل إلى أهل السنة والجماعة ، لا ينفق عنده من أرباب العلوم ، سوى الفقهاء والمحدّثين ، ومن عداهما لا يعطيهم شيئا إلا تكلفا ، وكذلك الشعراء ، لا يقول بهم ، ولا يعطيهم إلا إذا قصدوه ، فما كان يضيع قصدهم ، وكان يميل إلى علم التاريخ ، وعلى خاطره منه شئ يذاكر به . ولم يزل رحمه اللّه تعالى مؤيدا في مواقفه ومصافّاته مع كثرتها ، لم ينقل أنه انكسر في مصافّ قط ، ولو استقصيت في تعداد محاسنه ، لطال الشرح في ذلك ، وفي شهرة معروفة ، غنية عن الإطالة . ثم قال : وكانت ولادته بقلعة الموصل ، ليلة الثلاثاء سابع عشرى المحرم سنة تسع