محمد بن أحمد الفاسي
139
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
ومن مكاشفاته على ما أخبرني به بعض أصحابنا : أن بعض الناس أرسل مع المخبر لي بخمسين درهما يعطيها للشيخ موسى المذكور ، فجاء بها إليه ، فردها ، فسأل الآتي بها المرسل له بها : هل فيها شبهة ؟ فقال : نعم . فأعطاه خمسين درهما من غير هذه الجهة ، وأمر بإعطائها للشيخ موسى ، فامتنع من قبولها ثانيا ، فلامه الرسول على امتناعه ، فقال له : تطعمنى النار ! وأخبرني صاحبنا المشار إليه : أنه أحضر للشيخ موسى حقّا فيه زنجبيل مربّى ، فأكل منه الشيخ موسى أكلا كثيرا ، فخطر ببال صاحب الزنجبيل ، أنه لا يؤكل على هذه الصفة ، لكونه يتداوى به ، فما انقضى هذا الخاطر ، إلا والشيخ موسى قد أعرض عن الأكل ، وغطّى الحقّ وقال : ما بقينا نأكل شيئا . وأخبرني أيضا ، أن بعض أصحابه دعاه إلى منزله ، والشيخ موسى عنده ، فقال له الشيخ موسى : تغدّى ؟ فقال المخبّر لي : فقلت في نفسي : أنا صائم . فقال الشيخ موسى : تعشّى عنده بعد المغرب . وأخبرني صاحبنا المشار إليه ، عن الشيخ موسى بمكاشفات أخر ، وهذا معنى ما أخبرني به . وأخبرني أيضا أن بعض أصحابه ، تخوّف من بعض الأمراء لما ورد إلى مكة ، قال : فاجتمعت بالشيخ موسى ، وشكوت عليه ذلك ، فقال : ما يصيبه إلا خير ، فسلم من شر الأمير . ومما بشّر به على ما أخبرني به بعض أصحابنا ، أنه استفتى بعض علماء مكة عن مسألة ، فقال في آخر السؤال : ويحجّون بالناس ، ويقفون بهم بعرفة وغيرها ، فقدّر أن المسؤول حجّ بالناس ، وفعل ما أشار إليه الشيخ موسى . وأخبرني المخبّر لي بهذه الحكاية ، أنه عاد بعض الناس ، فلما خرج من عنده ، لقى الشيخ موسى ، فقال له : كنتم عند فلان ؟ فقال له المخبر : نعم . فقال له الشيخ موسى : ما يجئ منه شئ . فمات الرجل المشار إليه في مرضه ذلك . وبشارته ومكاشفته كثيرة ، وقد سمعت بعض أصحابنا يقول : لم أر أكثر منه مكاشفة . وكنت أنا أجتمع به كثيرا ، وأستفيد منه أشياء حسنة ، وأول اجتماعي به بالقاهرة ، في سنة ثمان وتسعين وسبعمائة ، وتوجه فيها أو بعدها بقليل إلى الحجاز ، فحج وجاور بالحرمين الشريفين ، وكان يغيب في برارى المدينة اليوم واليومين ، ثم يأتي ويخبر ببعض ما شاهده من الأمور التي أشرنا إليها وغيرها ، وكان يجوع كثيرا وينفر من الناس ، ويسألونه من الأكل عندهم ، فيمتنع مع شدة جوعه ، ثم تحيل عليه الناس ، حتى استألفوه قليلا قليلا ، فأنس بهم وصار يأكل عندهم ، فكثرت شهوته للطعام ، وصار