محمد بن أحمد الفاسي

411

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

ثم إن أبا مسلم ، دخل على المنصور يوما ، وقد أعد له عشرين نفرا بالسلاح في مجلسه من وراء الستر ، فأخذ المنصور يعنفه ويعدد عليه ذنوبه ، فبقى أبو مسلم يعتذر ، وهو لا يقبل له عذرا ، وصفق المنصور بيده ، وكان ذلك إشارة بينه وبين من أحضرهم لقتل أبى مسلم في الإذن في قتله . فخرجوا إليه ، فقطعوه في الحال ، ولف في بساط ، وألقى رأسه إلى أصحابه مع ذهب عظيم ، فاشتغلوا بذلك . ثم خرج على المنصور ، محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبي طالب بالمدينة في سنة خمس وأربعين ومائة . وكان خرج وهو راكب حمارا في مائتين وخمسين رجلا ، ووثبوا على رباح أمير المدينة ، فسجنوه ، وبويع محمد بالخلافة طوعا وكرها . وقال : إنه خرج غضبا للّه ورسوله . وبعث بعض أعوانه إلى مكة واليمن ، فملكوا ذلك ، وبعث بعضهم إلى الشام فلم يمكنوا من ذلك . ولما بلغ المنصور خروجه ، ندب لقتاله ، ولى العهد عيسى بن موسى العباسي ، وقال : لا أبالي أيهما قتل الآخر ، يعنى : إن قتل عيسى محمدا فبها ونعمت ، وإن قتل محمد عيسى ، استراح منه ليعهد إلى ابنه المهدى . فسار عيسى في أربعة آلاف فارس ، وكتب إلى أشراف المدينة يستميلهم ويمنيهم ، فتفرق عن محمد بعض جمعه ، فأشير عليه بأن يلحق بمصر ليتقوى منها ، فأبى وحصن المدينة ، وعمق الخندق . فلما قرب منه عيسى ، حارب ، فولى محمد ، وقال لمن معه : أنتم من مبايعتي في حل ، فانسلوا عنه ، وبقي في طائفة ، فبعث إليه عيسى يدعوه إلى الإنابة ، وبذل له الأمان ، فلم يقبل ، ثم إن عيسى أنذر أهل المدينة وخوفهم ، وناشدهم اللّه أياما ، فأبوا ، فزحف عليهم ، ولام محمد بن عبد اللّه ، ومحمد لا يرعوى . فالتحم القتال ، فقتل محمد ، بعد أن قتل بيده من عسكر العراق سبعين نفرا . وحمل رأسه إلى المنصور . وكان معه حين قاتل ثلاثمائة مقاتل . وكان أسود ، ضخما ، في حديثه تتمة وفيه فضيلة . وذكر صاحب العقد ، كتابا كتبه المنصور إليه ، وجوابا إلى المنصور ، وجوابا من المنصور إليه عن جوابه . وقد رأيت أن أثبت ذلك لما فيه من بيان فضلهما . قال صاحب العقد ، بعد أن ذكر شيئا من تحيل المنصور على معرفة مكان محمد بن عبد اللّه بن الحسن ، وأخيه إبراهيم ، وقبضه على أبيهما وغيره من آل أبي طالب بالمدينة ، في سنة أربع وأربعين ومائة . فلما انصرف أبو جعفر إلى العراق ، وخرج محمد بن عبد اللّه بالمدينة ، فكتب إليه أبو جعفر :