محمد بن أحمد الفاسي

396

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وقال : كنت يوما مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في بيته ، فقال : « أتدرون من معنا في البيت ؟ » . قلت : من يا رسول اللّه ؟ . قال : « جبريل » فقلت : السلام عليك يا جبريل ورحمة اللّه وبركاته ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إنه قد رد عليك » . قال : حفظت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ألف مثل . وقال أبو هريرة : ما كان أحد أعلم بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، من عبد اللّه بن عمرو ، فإنه كان يكتب بيده ، واستأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أن يكتب ما سمع منه ، فأذن له ، وكان يكتب بيده ويعى بقلبه ، وإنما كنت أعى بقلبي . وقال مجاهد : أتيت عبد اللّه بن عمرو ، فتناولت صحيفة تحت فرشه ، فمنعني . قلت : ما كنت تمنعني شيئا ! قال : هذه الصحيفة الصادقة . هذه ما سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ليس بيني وبينه أحد ، إذا سلمت لي هذه ، وكتاب اللّه ، والوهط ، فما أبالي ما كانت عليه الدنيا . وقال : لخير أعمله اليوم ، أحب إلىّ من مثليه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، لأنا كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا ، وإنا اليوم قد مالت بنا الدنيا . وقال : لو تعلمون حق العلم ، لسجدتم حتى تتقصف ظهوركم ، ولصرختم حتى تنقطع أصواتكم ، فابكوا ، فإن لم تجدوا البكاء فتباكوا . وقال يعلى بن عطاء ، عن أمه ، أنها كانت تصنع الكحل لعبد اللّه بن عمرو ؛ وأنه كان يقوم بالليل ، فيطفئ السراج ، ثم يبكى ، حتى وسعت عيناه . وقال عبد اللّه : لأن أدمع دمعة من خشية اللّه تعالى ، أحب إلىّ من أن أتصدق بألف دينار . وقال سليمان بن ربيعة : إنه حج في عصابة من قراء أهل البصرة ، فقالوا : واللّه لا نرجع أو نلقى أحدا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم مرضيّا ، يحدثنا بحديث . فلم نزل نسأل ، حتى حدثنا أن عبد اللّه بن عمرو رضى اللّه عنهما نازل في أسفل مكة ، فعمدنا إليه ، فإذا نحن بثقل عظيم ، يرتحلون ثلاثمائة راحلة : منها مائة راحلة ، ومائتا زاملة . فقلنا : لمن هذا الثقل ؟ . فقالوا : لعبد اللّه بن عمرو . فقلنا : هذا كله له ؟ - وكنا نتحدث أنه من أشد الناس تواضعا - فقالوا : أما هذه المائة راحلة ، فلإخوانه ، يحملهم عليها وأما المائتان ، فلمن ينزل عليه من أهل الأمصار ولأضيافه ، فعجبنا من ذلك . فقالوا : لا تعجبوا من هذا ! فإن عبد اللّه رجل غنى ، وإنه يرى حقا عليه ، أن يكثر من الزاد لمن نزل عليه من