محمد بن أحمد الفاسي

15

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

السادس ، سكتوا بين الركنين سكتة ، حتى يتهيأ الناس ممن في الحجر ومن في جوانب المسجد ، من مصلّ أو غيره ، فيعرفون ذلك بانقطاع التكبير ، ويصلى ويخفف المصلى صلاته ثم يعودون إلى التكبير حتى يفرغوا من السبع ، فيقوم مسمّع فينادى : الصلاة رحمكم اللّه ، قال : وكان عطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، ونظراؤهم من العلماء ، يرون ذلك ولا ينكرونه . قال : وحدثني جدى ، قال : أول من استصبح بين الصفا والمروة ، خالد بن عبد اللّه القسري ، في خلافة سليمان بن عبد الملك ، في الحج وفي رجب . وقال الأزرقي : حدثني جدى ، عن عبد الرحمن بن حسين بن القاسم ، عن أبيه ، قال : كان الرجال والنساء يطوفون معا مختلطين ، حتى ولى مكة خالد بن عبد اللّه القسري لعبد الملك بن مروان ، ففرق بين الرجال والنساء في الطواف ، فأجلس عند كل ركن حرسا معهم السياط ، يفرقون بين الرجال والنساء ، فاستمر ذلك إلى اليوم . قال جدّى : سمعت سفيان بن عيينة يقول : خالد القسري ، أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف . انتهى وقال : « ذكر ما عمل في المسجد الحرام من البرك والسّقايات » : حدثني جدّى قال : ثنا عبد الرحمن بن حسين بن القاسم بن عقبة بن الأزرقي ، عن أبيه ، قال : كتب سليمان ابن عبد الملك بن مروان إلى خالد بن عبد اللّه القسري : أن أجر لي عينا ، تخرج من الثقبة من مائها العذب الزّلال ، حتى تظهر بين زمزم والركن الأسود ، ويضاهى بها زعم ماء زمزم ، قال : فعمل خالد بن عبد اللّه القسري البركة التي بفم الثقبة . ويقال لها بركة القسري . ويقال لها أيضا بركة البردى بئر ميمون ، وهي قائمة إلى اليوم بأصل ثبير ، فعملها بحجارة منقوشة طوال ، وأحكمها ، وأنبط ماءها في ذلك الموضع ، ثم شق لها عينا تسكب فيها من الثقبة ، وبنى سدّ الثقبة وأحكمه ، والثقبة شعب يفرع فيه وجه ثبير ، ثم شق من هذه البركة عينا تجرى إلى المسجد الحرام ، فأجراها في قصب من رصاص ، حتى أظهرها في فوّارة تسكب في فسقية من رخام ، بين زمزم والركن والمقام . فلما أن جرت وظهر ماؤها . أمر القسري بجزر فنحرت بمكة وقسّمت بين الناس ، وعمل طعاما ، فدعا عليه الناس ، ثم أمر صائحا فصاح : الصلاة جامعة ، ثم أمر بالمنبر فوضع في وجه الكعبة ، ثم صعد فحمد اللّه سبحانه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، احمدوا اللّه تبارك وتعالى ، وادعوا لأمير المؤمنين الذي سقاكم الماء العذب الزّلال النقاخ بعد الماء المالح الأجاج ، الذي لا يشرب إلا صبرا - يعنى زمزم - قال : ثم تفرغ تلك الفسقية في سرب من رصاص ، يخرج إلى وضوء كان عند باب المسجد - باب الصفا - في بركة كانت في