محمد بن أحمد الفاسي
16
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
السوق . قال : فكان الناس لا يقفون على تلك الفسقية ، ولا يكاد واحد يأتيها . وكانوا على شرب ماء زمزم أرغب ما كانوا فيها ، قال : فلما رأى ذلك القسري صعد المنبر ، فتكلم بكلام يؤنّب فيه أهل مكة . فلم تزل تلك البركة على حالها ، حتى قدم داود بن علي بن عبد اللّه بن عباس - رضوان اللّه عليهم - مكة ، حين أفضت الخلافة إلى بني هاشم ، فكان أول ما أحدث بمكة ، هدمها ، ورفع الفسقية وكسرها ، وجرف العين إلى بركة كانت بباب المسجد . قال : فسر الناس بذلك سرورا عظيما حين هدمت . انتهى . وذكر الفاكهي أخبارا عن خالد القسري يحسن ذكرها أيضا . ونص ما ذكره : وكان من ولاة مكة من غير قريش ، رجال من أهل اليمن ، منهم خالد بن عبد اللّه القسري ، وليها للوليد بن عبد الملك ، ثم أقره سليمان عليها حين ولى زمانا ، فأحدث أشياء بمكة ، منها ما ذمه الناس عليه ، ومنها ما أخذوا به ، فهم عليه إلى اليوم . فأما الأشياء التي تمسكوا بها من فعله ، فالتكبير في شهر رمضان حول البيت ، وإدارة الصف حول البيت ، والتفرقة بين الرجال والنساء في الطواف ، والثريد الخالدي . وأما الأشياء التي ذموه عليها : فعمله البركة عند زمزم والركن والمقام ، لسليمان بن عبد الملك ، والحمل على قريش بمكة ، وإظهار العصبية عليهم . وكان هو أول من أظهر اللعن على المنبر بمكة في خطبته . فحدثني عبد اللّه بن أحمد بن أبي مسرة ، قال : حدثنا يوسف بن محمد العطار ، عن داود بن عبد الرحمن العطار ، إن شاء اللّه تعالى ، قال : كان خالد بن عبد اللّه القسري في إمرته على مكة ، في زمن الوليد بن عبد الملك ، يذكر الحجاج في خطبته كل جمعة إذا خطب ويقرظه . فلما توفى الوليد وبويع لسليمان بن عبد الملك ، أقر خالدا على مكة ، وكتب إلى عماله يأمرهم بلعن الحجاج بن يوسف . فلما أتاه الكتاب ، قال : كيف أصنع ! . كيف أكذب نفسي في هذه الجمعة بذمه ، وقد مدحته في الجمعة التي قبلها ؟ ما أدرى كيف أصنع ؟ فلما كان يوم الجمعة خطب ، ثم قال في خطبته : أما بعد ، أيها الناس ، إن إبليس كان من ملائكة اللّه في السماء وكانت الملائكة ترى له فضلا بما يظهر من طاعة اللّه وعبادته ، وكان اللّه عز وجل قد اطّلع على سريرته ، فلما أراد أن يهتكه أمره بالسجود لآدم عليه السلام ، فامتنع ، فلعنه وإن الحجاج بن يوسف ، كان يظهر من طاعة الخلفاء ، ما كنا نرى له بذلك علينا فضلا ، وكنا نزكّيه ، وكان اللّه قد أطلع سليمان أمير المؤمنين من سريرته وخبث مذهبه ، على ما لم يطلعنا عليه . فلما أراد اللّه