محمد بن أحمد الفاسي

261

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

ولايم صاحب مكة ، وتولى عمارة الدور التي أنشأها في الموضع المعروف بدار عيسى بالسويقة بمكة ، ثم توجه من مكة في أثناء سنة اثنتي عشرة وثمانمائة إلى مصر ، فسعى في أذى صاحب مكة ، فأجيب لقصده . وخرج من مصر ، وهو واثق بذلك ، فخاب أمله ؛ لأن صاحب مصر الملك الناصر فرج ، استعطف على صاحب مكة ، فرضى عنه وأقره على ولايته ، ومنع من محاربته ، وعلم ذلك جابر ، فاستوطن ينبع ولايم ولاتها ، وبنى لهم بها قلعة وسورا ، وهو في غضون ذلك يرغب كثيرا في العود إلى مكة ، على أن يضمن له بعض القواد عن صاحب مكة ، أن لا يصيبه منه سوء ، فلم يوافق على ذلك صاحب مكة . ثم رغب في سنة خمس عشرة وثمانمائة في إخراج جابر من ينبع ، لما بلغه عنه من تحسينه لصاحب اليمن ، التجويد على جدة إلى ينبع لتكدر خاطر صاحب اليمن على صاحب مكة ، في أمر فعله صاحب مكة ، لم يسهل بصاحب اليمن . فتوجه جابر إلى مصر ، وأخذ يؤذى صاحب مكة ، فلم يقبل منه ، وصودر وبعث به معتقلا إلى صاحب مكة ، فوصلها مع الحجاج ، في موسم خمس عشرة وثمانمائة ، ودخلها والزنجير في حلقه ، ورآه صاحب مكة ، وهو على هذه الصفة ، فحياه بالسلام ، وأقام بمنزل أمير الحاج برباط الشرابى ، ثم خلص في ليلة الثامن من ذي الحجة من السنة المذكورة ؛ لأنه خرج يطوف تلك الليلة ، ومعه بعض المماليك ، فتسحب منه ، ولجأ إلى بعض القواد فأجاره ، وأخبر به صاحب مكة ، وجمعه عليه بعد أن توثق منه ، فعفا عنه صاحب مكة ، وأقبل عليه كثيرا من أموره بجدة وغيرها ، فنهض بذلك . ثم تغير عليه صاحب مكة ، لما نسب إليه من تقويته للسيد رميثة بن محمد بن عجلان ، على دوام عصيانه لعمه ، فإن رميثة هجم على مكة في رابع عشرى جمادى الآخرة ، من سنة عشرة وثمانمائة ، وهجم على جدة في رمضان من السنة المذكورة ، ونهب جدة والهدة ، وسعى بعد ذلك جابر وغيره في الإصلاح بينهما ، فشرط رميثة ما لم تطب به نفس عمه ، وصمم على ذلك ، فاتهم في ذلك جابر ومن معه ، ووقع مع ذلك من جابر مخالفة لمخدومه في بعض أوامره ، فقبض عليه بمنى في النفر الأول ، ثم قرر على أمواله ، وأشعر بقتله ، فصلى ركعتين ، وخرج من أجياد مع الموكلين بقتله إلى باب المعلاة ، فشنق به ، ولم يظهر منه جزع في حالة شنقة ولا في ذهابه إلى الشنق ، ولا كلم الموكلين به كلمة واحدة .