محمد بن أحمد الفاسي

252

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وكان يرسل إليه في كل سنة من السنين التي جاور فيها بالحرمين ، بصلة تقوم بكفايته ، وجرت له على يده صدقات بالحرمين ، منها صدقة من القمح في سنة سبع عشرة وثمانمائة ، وصدقة من الذهب في سنة ثماني عشرة ، وصدقة من الدراهم المؤيدية والقمصان فيما بعد ذلك . وكان يخطئ كثيرا في صرف ذلك ، لإعطائه من ذلك جانبا طائلا لمن لا يستحق أو لتفضيله لمن لا يستحق على من يستحق في العطاء ، ونالته الألسنة بسبب ذلك كثيرا ، وبسبب منعه المؤذنين من المدائح النبوية وغيرها في المنائر ليلا ، ومنع المداحين من إنشاد ذلك ، في الأوقات التي جرت عادة الناس بكثرة الاجتماع فيها بالمسجد الحرام ، ومنعه الخطباء من الصغار في ليالي ختم القرآن العظيم ، في شهر رمضان ، وإيقاد مشاعل المقامات التي بالمسجد الحرام ، في الأوقات التي جرت العادة بها في العشر الأخير من رمضان ، وليلة العيد ، وليلة هلال شهر رجب ، وليلة هلال شهر ربيع الأول وغيرها ، لما يحصل للمصلين والطائفين من كثرة التشويق ، بسبب ارتفاع أصوات المشار إليهم ، ولما يحصل من كثرة اجتماع الرجال والنساء لسماع الخطب ، ورؤية الوقيد . وكان منعه من ذلك في أثناء سنة ثماني عشرة وثمانمائة ، بعد أن وافقه على ذلك جماعة من فقهاء مكة . وكتبوا له خطوطهم بذلك . وكتب له بمثل ذلك غيرهم من علماء القاهرة . ثم إن بعض من كتب له من فقهاء مكة ، حمله ما جبل عليه من كثرة الهوى وحط النفس ، على أن قال بخلاف ما كتب به خطه ، لمخالفة تغرى برمش له في هواه ، وسعى عند بعض حكام مكة من جهة الدولة ، في الإذن في إيقاد مشاعل المقامات ، والمديح في ليلة هلال رجب من سنة عشرين وثمانمائة . فوافقه الحاكم على ذلك ، وفعل ذلك في الليلة المذكورة . ولما عرف بالوقيد تغرى برمش ، خرج من منزله بالمدرسة المجاهدية بمكة لمنع ذلك ، ولم يكن له علم بموافقة الحاكم المشار إليه على ذلك ، فناله من العامة أذى عظيم ، من عظيم الذم ، وربما أن بعضهم أوقع به الفعل ، ولولا دفع بعض من يعرفه من الترك عنه ، لكثر تضرره مما ناله من ذلك . وكان ذلك في غيبة صاحب مكة عنها . فلما حضر إليها ، أنكر على من أمر به ، أو أشار به من جهته وغيرهم ، وأمر باتباع اختيار تغرى برمش في ذلك .