محمد بن أحمد الفاسي
253
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
فلم يتجاسر أحد على فعل ما يخالفه ، حتى مات تغرى برمش ، إلا أن بعض المؤذنين والمداحين ، ربما مدحوا في أوقات قليلة ، بعضها بحضرة تغرى برمش ، وكثير منها في غيبته من مكة ، وكان انقطاعه بالحرمين بعد حجه من سنة ست عشرة وثمانمائة . وقد انتفع بصحبته كثيرا ، ناس من أهل الحرمين ، منهم من المكيين : القاضي عز الدين ابن القاضي محب الدين النويري ، وأخوه كمال الدين أبو الفضل ، وسبب ذلك : أن تغرى برمش ، جاور بالمدينة النبوية قبل القرن التاسع ، وتوقع حصول سوء بها من الشيخ أبى عبد اللّه المغربي المعروف بالكركى ، ففر إلى مكة ، فطيب خاطره ، وأحسن إليه ، قاضيها محب الدين النويري . فلما مات ، راعى صنيعه في ولديه وجماعته ، وهو ممن قام مع القاضي عز الدين ، في نزع الخطابة بالمسجد الحرام ونظره والحسبة بمكة له ، من قاضى القضاة جمال الدين بن ظهيرة ، ولما وصل لأبى السعادات بن أبي البركات بن ظهيرة توقيع بهذه الوظائف ، في أثناء سنة عشرين وثمانمائة - خلا الحسبة - عارضه في ذلك تغرى برمش ، بتوقيع وصل للقاضي عز الدين بالوظائف المذكورة ، وأن يكون أخوه أبو الفضل نائبا عنه فيها ، بعد التوقيع الذي وصل لأبى السعادات بأيام قليلة ، باعتبار تاريخها . وكان وصولهما إلى مكة معا في وقت واحد ، واتفق أن القاضي عز الدين ، مات قبل وصول توقيعه ، كما أن أبا البركات مات قبل وصول توقيعه بالخطابة ، ثم كتب بها لابنه ، فرأى الشيخ تغرى برمش وغيره من أعيان مكة ، أن توقيع القاضي عز الدين ، ناسخ لتوقيع ابن أبي البركات ، ومانع له من المباشرة ، مع كراهة أكثرهم لمباشرته ، ونازع ابن أبي البركات في ذلك ، بحضور صاحب مكة وغيره من قضاتها ، والشيخ تغرى برمش . وتعلق في ذلك بمثال شريف إلى أمير مكة ، يتضمن إعلامه لولاية ابن أبي البركات ، وزعم أنه كتب بعد توقيع القاضي عز الدين ، ونسب إلى زيادة ( ين ) فيه بعد عشر ، وإنما هو مؤرخ بخامس عشر صفر . وصمم الشيخ تغرى برمش على منعه من المباشرة ، فأساء في حقه ابن أبي البركات ، فكاد الشيخ تغرى برمش أن يضربه ، وأن يحثو التراب في وجهه . ووافق صاحب مكة وغيره من أعيانها ، على ما اختاره الشيخ تغرى برمش ، من منع ابن أبي البركات من الخطابة ، فلم يباشرها إلا بعد وفاة الشيخ تغرى برمش بخمسة وأربعين يوما ، لوصول