محمد بن أحمد الفاسي
80
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
فلما كان الموسم من هذه السنة : وصل إلى القاضي جمال الدين عهد بالخطابة دون النظر والحسبة ، وباشرها مع القضاء وما معه إلى أثناء ربيع الآخر سنة سبع عشرة وثمانمائة ، ثم وصل إلى القاضي عز الدين توقيع بالخطابة ، ونظر الحرم والحسبة في هذا التاريخ ، وباشر ذلك القاضي عز الدين . ثم سعى للقاضي جمال الدين في الخطابة ، فوليها واتفق أن ولايته لها كانت بعد وفاته ؛ لأنه توفى في سابع عشر رمضان من هذه السنة . ولما وصل خبر وفاته إلى القاهرة ، قرر القاضي عز الدين في الخطابة مع نظر الحرم والحسبة . وكان أمير الحاج المصري في سنة سبع عشرة أبقاه على الخطابة ، وما زال مباشرا لها ولنظر الحرم والحسبة من ربيع الآخر سنة سبع عشرة ، وإلى أن عرض له من المرض ما منعه من المباشرة في ذي القعدة سنة تسع عشرة ، فباشر ذلك نوابه . وقدر أنه صرف عن الخطابة والحسبة في عاشر ذي الحجة سنة تسع عشرة وثمانمائة بأبى البركات بن أبي السعود بن ظهيرة . وما وصل الخبر بولايته لذلك إلا بعد موته بنحو خمسة وعشرين يوما : لأن أبا البركات مات في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة تسع عشرة وثمانمائة ، فباشر نائب القاضي عز الدين الخطابة والحسبة مع نظر الحرم إلى أن توفى القاضي عز الدين . ومما وليه القاضي عز الدين ، تدريس المدرسة الأفضلية بمكة ، ودرس بشير وغير ذلك . وكان صارما في الأحكام ، وله بها معرفة ، وقل أن يستكبر شيئا ، وفيه احتمال كثير للأذى ، ومروعة كثيرة . وكان جيد الحفظ للقرآن ، سريع التلاوة ، مديما لها غالبا ليلا ونهارا . وصح لي أنه سمع يتلو ليلا قبيل موته بنحو عشرة أيام . وكان وهنه في هذه المدة شديدا . وكان ابتداء مرضه الذي مات به الفالج ، ثم أمورا أخر يرجى له بها كثرة الثواب . وتوفى ليلة الأحد الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة عشرين وثمانمائة بمكة . وصلى عليه عقب صلاة الصبح عند باب الكعبة . ودفن بالمعلاة على جده القاضي أبى الفضل . وكثر عليه البكاء والأسف ، ممن لم يعرفه ، وممن له عرف . وهو ابن خالى وأخي من الرضاع ، تغمده اللّه برحمته .