محمد بن أحمد الفاسي

362

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وأنهى الضياء ما وقع من جماز إلى الدولة ، فرسم بقتل جماز ، فقتل لما حضر لخدمة المحمل ، وبعد قتله نهبت دار الضياء بالمدينة . وأخذ له دفين ، وهو أربعمائة ألف درهم فيما قيل ، وغير ذلك . وكانت له بنت كبيرة تعلم حاله ، فأوذيت حتى سعت في هلاك نفسها ، للراحة من العذاب . وسكن الضياء بعد ذلك مكة ، وتولى تدريس الحنفية ، الذي قرره بمكة الأمير يلبغا الخاصكى الأتابكى ، وباشره في شوال سنة ثلاث وستين . واستمر مستوطنا بمكة ، حتى مات بها في يوم الجمعة الخامس من ذي الحجة سنة ثمانين وسبعمائة ، ودفن بالمعلاة ، وقد جاوز الثمانين فيما بلغني ، وخلف تركة أحصيت بمائة ألف درهم ونيف وثلاثين ألف درهم ، منها مائة ألف نقد وثمن عروض ، والباقي ديون له على الناس . وكان عارفا بمذهبه وأصوله ، مع مشاركة في العربية وغيرها ، وعنده لمذهبه عصبية مفرطة عيبت عليه ، لما فيها من الغض من الإمام الشافعي وأتباعه . وقد سمعت شيخنا الحافظ زين الدين العراقي يقول : إنه اجتمع مع الضياء هذا ، في بيع تركة كتب بمكة ، فعرض منها كتاب من تواليف الخطيب البغدادي ، فزاد في ثمنه شيخنا الحافظ العراقي ، فقال له الضياء : تشترى هذا الكتاب وتزيد فيه ؟ . فقال له العراقي : وإيش في هذا ؟ فقال الضياء : الخطيب قد تكلم في أبي حنيفة ، فقال له العراقي : ما تكلم فيه ، وإنما ذكر كلام الناس فيه . هذا معنى ما سمعته من شيخنا الحافظ العراقي ، وكثير من الحنفية يسيئون القول في الخطيب ، وأفرط بعضهم في ذلك ؛ لأنه بلغني عن بعض الفضلاء من قضاة عصرنا الحنفية ، ما معناه ، أنه قال : وا عجبا لأهل الحديث ، كيف يحتجون بالخطيب ، وقاضى القضاة شمس الدين الحريري قد أسقطه . انتهى . فاعجب لهذا الزلل ، ونسأل اللّه السداد في القول والعمل . « 398 » - محمد بن محمد بن صالح بن إسماعيل ، الكناني المدني ، يلقب شمس الدين ابن شمس الدين : ولد سنة سبعين وسبعمائة بالمدينة ، ونشأ بها ، وحفظ كتبا في فنون من العلم ، وقرأ

--> ( 398 ) - انظر ترجمته في : ( سير أعلام النبلاء 14 / 372 ، الضوء اللامع 9 / 86 ) .