محمد بن أحمد الفاسي

34

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

الحاج بعدم الاحتفال به لئلا يشوش من إكرامه محمد بن أحمد فينفر ، فيفوت المراد منه . وعرف السلطان الأمير جركس الخليلي أمير أخور المالكي الظاهري بما في نفسه في حق محمد وعنان ، وكان من الحجاج في هذه السنة - وهي حجته الأولى وحجته الثانية في سنة تسعين وسبعمائة - فلما وصل إلى مكة خدمه محمد وأمه السيدة فاطمة بنت ثقية كثيرا . وبعثت إليه أمه تسأله عن حال ابنها وعنان ، فذكر لها أنه لا يعلم على ابنها سوءا ، وربما قيل : إنه حلف لها على ذلك ، فانشرح لذلك خاطرها وحسنت لابنها الإقدام على ملاقاة المحمل المصري لخدمته على عادة أمراء الحجاز ، وكان محجما عن ذلك لإشارة كبيش عليه بعدم ملاقاة المحمل ، وما زالت به أمه حتى وافقها على مرادها . فخرج في عسكره إلى أن حضر عند المحمل ، فلما أخذ يقبل خف الجمل على العادة ، وثب عليه باطنيان فجرحاه جرحات مات بها من فوره . وذلك في يوم الاثنين مستهل الحجة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ، وله نحو عشرين سنة ، ونقل إلى المعلاة ، ودفن بها بعد الصلاة عليه وغسله وتكفينه . وتوجع الناس عليه كثيرا ، سيما أمه . ويقال : إنها كانت دعت عليه بالهلاك بعد أن عرفت بكحل أخويها ، ومن ذكر معهما لعظم ألمها لذلك وألم الناس أيضا لكحلهم ، فإن صح عنها ذلك ، فقد استجيب دعاؤها وما خطر لها ببال قتله . وكان كبيش يتوقع له ذلك ، ولذلك نهاه عن ملاقاة المحمل . وكانت أمه لا تظن يصيبه من السوء في ملاقاة المحمل غير اعتقاله ، وغلب على ظنها سلامته لما ذكر لها الخليلي . ويقال : إن الخليلي عوتب على ما ذكره لأمه ؛ لأنه ظهر بعد ذلك ما يدل على علمه للسوء فيه ، فاعتذر بعدم قدرته على إفشاء السر ، وقال : كان ينبغي لهم أن يفطنوا لملازمة جماعتنا لحمل السلاح ، وما كان لمحمد في كحل المذكورين راحة ؛ لأنه ابتلى بفقد الحياة ، ويستبعد أن يكون للمذكورين على ذلك قدرة إلا أن يشاء اللّه وكل ما يسدونه إليه من الأذى يسير بالنسبة إلى ما أصابه من البلاء . ويقال : إنه لم يوافق على كحلهم ، حتى عظم عليه في التخويف من شرهم ، فما نفعه الحذر من القدر ، ولكنه فاز بالشهادة .