محمد بن أحمد الفاسي
306
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
بمدينة غرناطة « 1 » ، رحمه اللّه ، يقول : كان بمدينة مرسية رجل من الموثقين ، وكان له في الوقائع فهم عجيب . فما اتفق ، أن إنسانا جاءه ، فقال : يا سيدي ، ذهب من بيتي ثوب حرير أحمر - ويسمونه الجلدي - فنظر ساعة ، ثم قال له المؤذن : جاركم أخذه ، فذهب الرجل إلى المؤذن وكلمه ، فحلف له ما أخذه ، وأدخله داره ، ففتشها فلم يجد شيئا ، فرجع الرجل إلى ذلك الفقيه الموثق ، فأخبره أن المؤذن حلف له ، وأدخله داره وفتشها فلم يجد شيئا ، فنظر ذلك الفقيه ، ثم قال للرجل : هل رأيت في بيت المؤذن شيئا من الطعام ؟ فقال : نعم ، رأيت شيئا من الشعير . فقال : اطلب الثوب فيه ، فرجع الرجل فطلب الثوب في ذلك الشعير ، فوجده ، فسئل ذلك الفقيه ، من أين لك هذا ؟ . فقال : لما أخبرني بذهاب الثوب ، فرأيت ديكا يتطاول بعنقه ، فوقع لي أن المؤذن أخذ ، فلما أنكر ، نظرت فرأيت شخصا في يده حزمة من سنبلة شعير ، وفي وسطها نوار من شقائق النعمان ، ففهمت أن الثوب الحرير الأحمر في وسط الشعير ، فكان كذلك . انتهى . وهذه حكاية عجيبة ، لم يسمع في الفطنة لها بنظير ، مع كون الحكايات في هذا المعنى كثير . وقال جدى أيضا : وأخبرني الشيخ الصالح الأصيل ، أبو عبد اللّه محمد بن علي ابن قطرال المراكشي قال : أخبرني الفقيه القاضي بمدينة فاس - كلأها اللّه - أبو غالب بن الفقيه القاضي أبى عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن المغيلى : أن والده مرض مرضا شديدا أشفاه ، وكان يعالجه رجل يهودي ، طبيب حاذق ، يعرف بالعنكبوت ، قال : فلم يزل يعالجه إلى أن عجز ، وقال لأهله : ترفقوا بهذا الرجل ما استطعتم ، فإنه ليس فيه طمع . قال : فأرسلت والدتي رسولا إلى الشيخ أبى عثمان ، تعرفه حال الفقيه ، وتسأله الدعاء له ، أو مثل هذا . قال : فأرسل الشيخ أبو عثمان بإناء فيه ماء ، وقال : اسقوه هذا الماء ، قال : فسقوه ذلك الماء ، قال : فما هو إلا أن شرب ذلك الماء ، رمى من بطنه شيئا أسود لا يدرى ما
--> ( 1 ) غرناطة - وأغرناطة - : مدينة بالأندلس بينها وبين وادى آش أربعون ميلا وهي من مدن إلبيرة . انظر : الروض المعطار 45 ، 46 ، معجم البلدان ( غرناطة ) ، الإدريسى 203 .