محمد بن أحمد الفاسي
299
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وكثير من هذه المنكرات في كلام ابن عربى ، لا سبيل إلى صحة تأويل فيها ، فإذا لا يستقيم اعتقاد أنه من أولياء اللّه ، مع اعتقاد صدور هذه الكلمات منه ، إلا باعتقاد ابن عربى ، خلاف ما صدر منه ، ورجوعه إلى ما يعتقده أهل الإسلام في ذلك ، ولم يجئ بذلك عنه خبر ؛ لأنه لا يرى ما صدر منه موجبا لذلك ، ولأجل كلامه المنكر ، ذمه جماعة من أعيان العلماء وقتا بعد وقت . وأما من أثنى عليه ، فلفضله وزهده وإيثاره واجتهاده في العبادة ، واشتهر ذلك عنه ، حتى عرفه جماعة من الصالحين عصرا بعد عصر ، فأثنوا عليه بهذا الاعتبار ، ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات ، لاشتغالهم عنها بالعبادات ، والنظر في غير ذلك من كتب القوم ، لكونها أقرب لفهمهم ، مع ما وفقهم اللّه تعالى من حسن الظن بآحاد المسلمين ، فكيف بابن عربى ؟ . وبعض المثنين عليه ، يعرفون ما في كلامه ، ولكنهم يزعمون أن لها تأويلا وحملهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربى في طريقته ، فثناؤهم على ابن عربى مطرح لتزكيتهم معتقدهم . وقد بان بما ذكرناه ، سبب ذم الناس لابن عربى ومدحه ، والذم فيه مقدم . وهو ممن كبه لسانه ، نسأل اللّه المغفرة . وأما ما يحكى في المنام ، من نهى ابن عربى لشخص من إعدام كتبه ، ممن يصنع ذلك في الحياة ، وكذا ما يرى في النوم من خصوص عذاب لشخص ، بسبب ذمه لابن عربى أو لكتبه ، فهو من تخويف الشيطان . وقد بلغني نحو ذلك ، عن الإمام البارع زين الدين عمر بن مسلم القرشي الشافعي ، خطيب دمشق ، وصح لي ذلك عنه . وسمعت صاحبنا الحافظ الحجة ، القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر ، الشافعي يقول : جرى بيني وبين بعض المحبين لابن عربى ، منازعة كثيرة في أمر ابن عربى ، حتى نلت منه لسوء مقالته ، فلم يسهل ذلك بالرجل المنازع لي في أمره ، وهددني بالشكوى إلى السلطان بمصر ، بأمر غير الذي تنازعنا فيه ، ليتعب خاطري . فقلت له : ما للسلطان في هذا مدخل ، ألا تعال نتباهل ، فقل أن تباهل اثنان ، فكان أحدهما كاذبا ، إلا وأصيب . قال : فقال لي : بسم اللّه . قال : فقلت له : قل اللهم إن كان ابن عربى على ضلال ، فالعنى بلعتك ، فقال ذلك . وقلت أنا : اللهم إن كان ابن عربى على هدى ، فالعنى