محمد بن أحمد الفاسي
288
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وقد سمعت صاحبنا الحافظ الحجة القاضي شهاب الدين أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي ، وهو الآن المشار إليه بالتقدم في علم الحديث ، أمتع اللّه بحياته ، يقول : إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني ، شيئا من كلام ابن عربى المشكل ، وسأله عن ابن عربى . فقال له شيخنا البلقيني : هو كافر . وقد سئل عنه وعن شئ من كلامه ، شيخنا العلامة أبو عبد اللّه محمد بن عرفة الورغمى التونسي المالكي ، عالم أفريقية بالمغرب . فقال ما معناه : من نسب إليه هذا الكلام ، لا يشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته . وهذا مما أرويه عن شيخنا ابن عرفة إجازة . وسئل عنه شيخنا الإمام البارع ، قاضى الجماعة بالديار المصرية ، أبو زيد عبد الرحمن ابن محمد ، المعروف بابن خلدون الحضرمي المالكي ، فذكر في جوابه أشياء من حال ابن عربى وأشباهه ، ونذكر شيئا من ذلك لما فيه من الفوائد . أنبأني القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون الأصولى قال : أعلم أرشدنا اللّه وإياك للصواب ، وكفانا شر البدع والضلال ، أن طريق المتصوفة منحصرة في طريقين : الطريقة الأولى : وهي طريقة السنة ، طريقة سلفهم الجارية على الكتاب والسنة ، والاقتداء بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين . ثم قال : والطريقة الثانية : وهي مشوبة بالبدع ، وهي طريقة قوم من المتأخرين ، يجعلون الطريقة الأولى وسيلة إلى كشف حجاب الحس لأنها من نتائجها . ثم قال : ومن هؤلاء المتصوفة : ابن عربى ، وابن سبعين ، وابن برجان ، وأتباعهم ، ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم ، ولهم تواليف كثيرة يتداولونها ، مشحونة من صريح الكفر ، ومستهجن البدع ، وتأويل الظواهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها ، مما يستغرب الناظر فيها من نسبتها إلى الملة أو عدها في الشريعة . ثم قال : وليس ثناء أحد على هؤلاء ، حجة للقول بفضله ، ولو بلغ المثنى ما عسى أن يبلغ من الفضل ؛ لأن الكتاب والسنة ، أبلغ فضلا وشهادة من كل أحد . ثم قال : وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة ، وما يوجد من نسخها بأيدي الناس ، مثل : الفصوص ، والفتوحات لابن عربى ، والبد لابن سبعين ، وخلع النعلين لابن قسى ، وعين اليقين لابن برجان ، وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض ، والعفيف التلمساني وأمثالها ، أن تلحق بهذه الكتب ، وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض .