محمد بن أحمد الفاسي
264
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
فرخصت فيها الأسعار إلى الغاية ، وانقمع أهل الفساد ، بحيث لم يتجاسر أحد منهم على حمل السلاح بمكة ؛ لأن مقدّم العسكر أمر بذلك . واستمر هذا الحال بمكة - على ما ذكرناه - إلى انقضاء الحج من سنة إحدى وستين وسبعمائة ، ثم تغير ذلك لفتنة عظيمة وقعت بين بنى حسن من أهل مكة ، والعسكر الذي بها ، وهذا العسكر غير العسكر الذي قدم إلى مكة مع ابن عطيفة ، ومقدم هذا العسكر أميران ، أمير يقال له : قندس ، قدم من القاهرة في جماعة ، وأمير يقال له ناصر الدين بن قراسنقر المنصوري ، قدم من الشام في جماعة ، ليقيموا بمكة ، عوض العسكر الذي قدم مع ابن عطيفة ، وكان قدوم العسكر الذي مع قندس ، وابن قراسنقر إلى مكة في الموسم من سنة إحدى وستين وسبعمائة . وسبب الفتنة بين هذا العسكر ، وأهل مكة ، أن بعض العسكر رام النزول بدار المضيف عند الصفا ، فمنعه من ذلك بعض الأشراف ، من ذوى علىّ ، فتضاربوا ، وبلغ ذلك بنى حسن والترك ، فثارت الفتنة بينهم . وقيل إن سبب الفتنة : أن بعض الترك نزل بدار المضيف ، فطالبه بعض الأشراف بالكراء ، فضرب بعض الترك الشريف ، فقتل الشريف التركي ، فثار جماعة من الترك على الشريف ، فصاح الشريف ، فاجتمع إليه بعض الشرفاء واقتتلوا ، وبلغ ذلك الترك وبنى حسن ، فقصد الأشراف أجيادا . ووجدوا في ذهابهم إلى أجياد « 2 » ، خيلا على باب الصفا « 3 » ، للأمير ابن قراسنقر ، ليسقى عليها بعد طوافه ، فإنه كان ذلك اليوم ، ذهب للعمرة من التنعيم ، فركبها الأشراف ، وبلغ ابن قراسنقر الخبر ، وهو يطوف ، فقطع طوافه ، وتقدم للمدرسة المجاهدية ليحفظها ، فإنه كان نازلا بها ، وتحصن هو وبعض الترك في المسجد الحرام ، وأغلقوا أبوابه ، وهدموا الظلة التي على رأس أجياد الصغير ، ليروا من يقصدهم من بنى حسن ، ويمنعوه من الوصول إليهم بالنشاب وغيره ، وعملوا في الطريق عند المجاهدية أخشابا كثيرة ، لتحول بينهم وبين من يقصدهم من الفرسان ، من أجياد الكبير ، هذا ما كان من خبر الترك .
--> ( 2 ) أجياد بفتح أوله ، وإسكان ثانيه ، وبالياء أخت الواو ، والدال المهملة ، كأنه جمع جيد : موضع من بطحاء مكة ، من منازل قريش البطاح . انظر : معجم البلدان ، ومعجم ما استعجم ( أجياد ) . ( 3 ) باب الصفا : وهو باب الأندلس ، وهو موجود بتاهرت وهي مدينة مشهورة من مدن الغرب الأوسط على طريق المسيلة من تلمسان . انظر : الروض المعطار 126 .