زكريا القزويني

98

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

ومنها : ما يصحح القوى ويصفي البشرة ويذكي الحواس ويهيج الشهوة ، ومنها : ما يكون بضد ذلك ، ومنها : إجراء السفينة الثقيلة وقطع المسافة الطويلة بمدة يسيرة ، وأعجب من هذا نشرها السحاب وسوقها إياه إلى المواضع المحتاجة إلى السقي ؛ لإحياء البلاد والعباد ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ الأعراف : 57 ] . 44 فصل : في الرعد والبرق وما يتعلق بهما زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الأرض حللت منها أجزاء أرضية يخالطها أجزاء نارية ، ويسمى المجموع دخانا ، ثم الدخان يمازجه البخار ويرتفعان معا إلى الطبقة الباردة من الهواء ؛ فينعقد البخار سحابا ، ويحتبس الدخان فيه ، فإن بقي على حرارته قصد الصعود ، وإن صار باردا قصد النزول . وأيّا ما كان يمزق السحاب تمزيقا عنيفا ؛ فيحدث منه الرعد ، وربما يشتعل نارا ؛ لشدة المحاكة ؛ فيحدث منه البرق إن كان لطيفا ، والصاعقة إن كان غليظا كثيرا ؛ فتحرق كل شيء أصابته ، فربما يذيب الحديد على الباب ولا يضر بخشبه ، وربما يذيب الذهب في الخرقة ولا يضر الخرقة ، وقد يقع على الماء فيحرق حيتانه وعلى الجبل فيشقه . واعلم أن الرعد والبرق يحدثان معا ، لكن يرى البرق قبل أن يسمع الرعد ؛ وذلك لأن الرؤية تحصل بمراعاة البصر ، وأما السمع فيتوقف على وصول الصوت إلى الصماخ ، وذلك يتوقف على تموج الهواء ، وذهاب النظر أسرع من وصول الصوت ، ألا ترى أن القصار إذا ضرب الثوب ثم يسمع الصوت بعد ذلك بزمان . والرعد والبرق لا يكونان في الشتاء ؛ لقلة البخار الدخاني ، ولهذا المعنى لا يوجد في البلاد الباردة عند نزول الثلج ؛ لأن شدة البرد تطفئ البخار الدخاني ، والبرق الكثير يقع عنده مطر كثير ؛ وذلك لتكاتف أجزاء الغمام ، فإنها إذا تكاتفت انحصر الماء فيها ، فإذا نزل نزل بشدة ، كما إذا احتبس الماء ومنع جريه ثم أطلق ؛ فإنه يجري جريا شديدا ، ولهذه العلة من أمسك نفسه عن الضحك قهقه بغتة ، واللّه الموفق .