زكريا القزويني
97
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
( وأما الجنوب ) فحارة رطبة ؛ لأن هبوبها من ناحية خط الاستواء ، والحر مفرط هناك ؛ لأن الشمس تسامتها في السنة دفعتين ولا تباعد عنها فتزداد بذلك حرّا ، وأيضا هذه الجهة كثيرة البحار ، فتبخر الشمس منها أبخرة رطبة ، فتكسب الجنوب منها رطوبة ، والجنوب ترخي الأبدان وتورث الكسل وتحدث ثقلا في الأسماع وغشاوة في البصر ، ويظهر عند هبوب الجنوب في البحر سواد عظيم . ومن العجب أن الجنوب إذا هبت على الماء الحار بردته ، والشمال إذا هبت عليه تركته على حرارته كما كان ، قالوا : سبب ذلك أن عند هبوب الشمال تكمن الحرارة في داخل الماء ، كما ترى في الشتاء أن الحرارة تكمن في جوف الأرض فيبقى داخلها حارا ، وأما عند هبوب الجنوب فتخرج الحرارة من داخل الماء كما ترى في الصيف ، فإن الحرارة تخرج من جوف الأرض إلى خارجها ويبقى داخلها باردا فخرجت الحرارة من داخل الماء عند هبوب الجنوب ، والماء في نفسه بارد يعود إلى طبعه والعرب تزعم أن اللواقح من الجنوب ولا يأتي بالمطر إلا الجنوب . ( وأما الصبا ) قريبة من الاعتدال فإن كان هبوبها في أول النهار ، فهي مثائلة إلى البرد لأنها تمر على مواضع باردة فبردت ببعد الشمس عنها بالليل فتكون طيبة جدّا إلا أن زمانها قليل ؛ لأن شعاع الشمس يسوقها من خلفها ، فإذا طلعت الشمس ساقها إلى قدامها فلا تزال كذلك تمر قدام الشعاع والشمس تلطفها وتسخنها بحرها وضيائها حتى تصير معتدلة ، وهي النسيم السحري الذي يلتذ به الإنسان ، ويطيب النوم عليه ، ويجد المريض راحة عند هبوبها ويكون هبوب هذا الريح بالأسحار من الليل والغدوات من النهار ، واللّه الموفق . ( وأما الدبور ) فإنها مخالفة للصبا ؛ لأنها والشمس مدبرة عنها فلا تسخنها تسخين الصبا ، وكذلك تهب في آخر النهار ولا تهب قبله ولا تهب بالليل ، لأن الشمس تبلغ موضع مبهبها في ذلك الوقت فتحلل منه البخارات ولهذا المعنى يكون زمن هبوبها قليلا وجميع ما ذكرناه من فوائد الصبا أمر الدبور ضد ذلك ، وحسبك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » . 43 فصل : في فوائد عجيبة للرياح منها : حكايتها لما تمر به من صوت أو رائحة أو كيفية أو بخار أو دخان ، ومنها : إلقاحها الشجر وترطيبها الزرع وتجفيفها إياه وتغييرها طباع الحيوان ، حتى قيل : إن لها تأثيرا في الذكور والإناث كما ذكرنا ، وتأثيرها في الحيوان أن بعضها يرخي البدن وبعضها يصلب .