زكريا القزويني

63

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أشرفت الملائكة على الدنيا فرأوهم يعصون اللّه ، فقالوا : يا ربنا ، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك ؟ فقال اللّه تعالى : لو كنتم في سلاحهم لعصيتموني ، قالوا : كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ فقال : اختاروا ملكين ، فاختاروا هاروت وماروت ، ثم أهبطا إلى الأرض ، وركبت فيهم شهوات بني آدم ، ومثلت لهما ، فما عصما حتى واقعا المعصية فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال له : ما تقول ؟ فقال : أقول إن عذاب الدنيا ينقطع وعذاب الآخرة لا ينقطع ، فاختارا عذاب الدنيا فهما اللذان ذكرهما اللّه تعالى في قوله : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ [ البقرة : 102 ] » . وفي رواية أخرى : « قال لهما : إني أرسل رسولا إلى الناس ، وليس بيني وبينكما رسول أنزل ، ولا تشركا بي شيئا ، ولا تقتلوا ولا تسرقا » قال كعب : فما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا ما حرم عليهما . ومنهم : الملائكة الموكلون بالكائنات ؛ لإصلاحها ودفع الفساد عنها ، وقد وكل بكل فرد من أفرادها من الملائكة ما شاء اللّه تعالى . وروى أبو أمامة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا ، يذبون عنه ما لا يقدر عليه من ذلك ، بالبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب الذباب عن قصعة العسل في اليوم الصائف » ، وأما المائة والستون فأمر عرفه النبي صلى اللّه عليه وسلم بنور النبوة ، ولكنا نمثل جهة التغذي فإنه أمر مشترك بين الحيوان والنبات ، وأنت تقيس عليه غيره من الجهات . فتقول : إن جزءا من الغذاء لا يصير جزءا من المتغذي حتى يعمل فيه عدة من الملائكة ، ومعنى التغذي أن يصير جزءا من الغذاء من المتغذي ، فإن الغذاء جماد لا يصير دما ولحما وعظما بنفسه ، كما أن البر لا يصير طحينا وعجينا ورغيفا حتى تعمل فيه الصناع ، فصناع الظاهر أناس ، وصناع الباطن الملائكة ، فقد أسبغ اللّه عليك نعمه ظاهرة وباطنة . وأقول : أولا : لابد من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللحم والعظم ، فإن الغذاء لا يتحرك بنفسه ، ولا بد من ثان يمسكه حتى تعمل فيه الحرارة ، ثم لا بد من ثالث يلبسها صورة الدم ، ثم لابد من رابع يدفع القدر الفاضل عن الغذاء ، ثم لابد من خامس يميز العزم واللحم والعروق وما يليق بها ، ولا بد من سادس يلصق ما اكتسب صورة العظم بالعظم وما اكتسب صورة اللحم باللحم .