زكريا القزويني

64

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

ثم لا بد من سابع يراعي المقادير في الإلصاق ؛ فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته ، وبالعريض ما لا يبطل عرضه ، وبالمجوف ما لا يبطل تجويفه ، ويحفظ على كل واحد مقدار حاجته ، ويدفع الزائد ، فإنه لو جمع على الأنف من الغذاء مقدار ما يجمع للفخذ حاجته ؛ لتشوهت الصورة ، بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان رقيقها ، وإلى الحدقة صافيها ، وإلى الأفحان غليظها ، وإلى العظم صلبها مع مراعاة القدر والشكل ، وإلا بطلت الصورة . فلو لم يراع هذا الملك هذا القسط فساق الغذاء إلى جميع البدن ، ولم يسق إلى رجل واحدة مثلا لبقيت تلك الرجل كما كانت في أيام الصغر ، وكبر جميع البدن ، فترى شخصا في ضخامة رجل ، وله رجل كأنها رجل صبي ، ولا ينتفع بنفسه البتة . فمراعاة هذه الهندسة مفوضة إلى هذا الملك ، فهذا حال بعض الملائكة الموكلين ببدن بني آدم ، فهم مشتغلون بك وأنت في النوم أو تترد في الغفلة ، وهم يصلحون بدنك وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ النحل : 18 ] هكذا حال جميع الكائنات ، فما من شيء إلا وقد وكل اللّه به ملكا أو ملائكة ، واللّه الموفق . ( النظر الثالث عشر : في الزمان ) زعموا أن الزمان مقدار حركة الفلك ، وهذا على رأي أرسطاطاليس وأصحابه ، وعند غيره مرور الأيام والليالي ، ثم مقدار حركة الفلك ينقسم إلى القرون ، والقرون إلى السنين ، والسنون إلى الشهور ، والشهور إلى الأيام ، والأيام إلى الساعات . والزمان أنفس رأس مال به تكتسب كل سعادة ، وإنه يضمحل شيئا فشيئا ، وزمانك عمرك ، وهو معلوم القدر عند اللّه تعالى ، وإن لم يكن معلوما عندك وما مثله إلا كمسافة ساع يسعى في قطعها قوي على السير لا يفتر طرفة عين ، فما أعجل انقطاعها وإن كانت بعيدة ! وما أسرع زوالها وإن كانت كعمر لقمان مدة مديدة ! ولنذكر شيئا من خواصها وعجيبها : ( القول : في الليالي والأيام ) أما اليوم فهو الزمان الذي بين طلوع الفجر وغروب الشمس ، وأما الليل فهو الزمان الذي يقع بين غروب الشمس وطلوع الفجر ، ومجموعهما أربع وعشرون