زكريا القزويني
59
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
فلما رأى ملك الموت ذلك قال : اللهم إن عبدك سليمان تمناني ونزل به ما ترى ، اللهم إني أسالك أن تقويه على رؤيتي ، فأوحى اللّه تعالى إليه أن ضع يدك على صدره ففعل ذلك فأفاق سليمان علي السلام ، وقال : يا ملك الموت ، إني أراك عظيم الخلق أو كل الملائكة مثلك ؟ فقال : والذي بعثك بالحق نبيّا إن رجلي الآن على منكبي ملك قد جاوزت رأسه السماوات السبع ، وارتفع فوق ذلك بمسيرة خمسمائة عام ، ورجلاه قد جاوزتا الثرى بمسيرة خمسمائة عام ، وهو فاتح فاه رافع رأسه باسط يديه ، فلو أذن اللّه تعالى له أن يطبق شفته العليا والسفلى لأطبق على ما بين السماء والأرض ، فقال له سليمان عليه السلام : ولقد وصفت أمرا عظيما ، فقال له : كيف لو رأيتني على صورتي التي أقبض فيها أرواح الكفار ، فصار ملك الموت صديقا له ، ويأتيه كل خميس ويقعد عنده إلى أن تزول الشمس . فقال له سليمان عليه السلام يوما : ما لي أراك لا تعدل بين الناس ، تأخذ هذا وتدع هذا ؟ فقال له ملك الموت : ليس المسؤول بأعلم من السائل ، إنما هي كتب فيها أسماء المقبوضين تلقى إليّ ليلة الصك ، وهي ليلة النصف من شعبان إلى مثلها من السنة القابلة ، فأما أهل التوحيد فأقبض أرواحهم بيميني في حريرة بيضاء مغموسة في المسك وترفع إلى عليين ، وأما أهل الكفر فأقبض أرواحهم بشمالي في سربال من قطران وتنزل إلى سجين وآمرهم إلى عالم الغيب والشهادة فينبئهم بما كانوا يعلمون . وعن الأعمش ، عن خيثمة قال : دخل ملك الموت على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى أحد جلسائه ويديم النظر إليه ، فلما خرج ملك الموت قال الرجل : يا نبي اللّه ، من كان هذا ؟ قال : إنه ملك الموت ، قال : رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني أريد أن تخلصني منه بأن تأمر الريح لتحملني إلى أقصى بلاد الهند ؛ فأمر سليمان الريح بذلك ففعلت ، فلما عاد ملك الموت إلى سليمان عليه السلام قال له : رأيتك تديم النظر إلى بعض جلسائي ، قال : كنت أعجب منه ؛ لأني أمرت أن أقبض روحه بأقصى بلاد الهند في ساعة قريبة ورأيته عندك . وقال وهب : قبض ملك الموت روح جبار من الجبابرة ، فقالت الملائكة لملك الموت : لمن كنت أشد رحمة ممن قبضت أرواحهم ؟ فقال : أمرت بقبض روح امرأة في فلاة من الأرض فأتيتها وقد ولدت مولودا فرحمتها لغربتها ورحمت ولدها لصغره وكونه في فلاة لا أحد بها ، فقالت الملائكة : الجبار الذي قبضت الآن روحه هو ذلك المولود ، فقال ملك الموت : سبحان اللطيف بعباده .