زكريا القزويني

215

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

ثم إن تلك الأجزاء يتراكم بعضها على بعض بواسطة قوى خلقها اللّه تعالى فيها حتى يصير الحب بالغا ذا عروق وقضبان وأوراق وأزهار ، والحب والنوى شجرا عظيما ذا عرق وساق وأوراق وثمر ، فسبحانه ما أعظم شأنه وأوضح برهانه ! والنبات قسمان : شجر ونجم ، واللّه تعالى الموفق للصواب . 78 القسم الأول : في الشجر وهو كل ما له ساق من النبات والأشجار العظام بمثابة الحيوانات العظام ، والنجوم بمثابة الحيوانات الصغار ، والأشجار العظام لا ثمر لها كما ترى في الساج والدلب والعرعر ؛ لأن المادة كلها صرفت إلى نفس الشجر ، ولا كذلك الأشجار المثمرة فإن مادتها صرفت إلى الشجرة والثمرة ، ويشبه حالها حال الذكور والإناث من الحيوان . فإن الذكر أعظم بدنا من الإناث ؛ لأن بعض مواد الإناث تصرف إلى الأجنة ، ومن عجيب صنع الباري خلق الأوراق على الأشجار زينة لها ووقاية لثمرها من نكاية الشمس والهواء ، ثم إنه تعالى خلقها مرتفعة عن الثمار متفرقة بعض التفرق لا متكاثفة عليها ولا بعيدة عنها ؛ لتأخذ الثمار من النسيم تارة ، ومن الشمس أخرى ، فلو تكاثفت عليها حتى منعتها إصابة النسيم وشعاع الشمس لبقيت على فجاجتها غليظة الجلد قليلة المائية . وإذا سقط منها بعض الورق أصابتها الشمس وأحرقتها ، كما ترى في الرمانة التي احترق منها إحدى الجوانب ، ثم إذا فرغت الثمرة تناثرت الأوراق حتى لا تجذب مائية الشجر فتضعف قوتها ، كما ترى في الحيوان ، فإن الأم تضعف من إرضاع أولادها ، وأعجب ما فيها ما ذكره اللّه تعالى : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] ولنذكر بعض ما يتعلق بواحد واحد من الأشجار مرتبا على حروف المعجم إن شاء اللّه تعالى . ( أبنوس ) شجر كقطعة حجر على رأسه نبت أخضر ، وخشبه صلب جدّا ، لا يقف على الماء ، بل يرسب ، وهو أشبه خشب بالحجر ، قال الشيخ الرئيس : إذا وضعته على الجمر فاحت منه رائحة طيبة ، ويجلو الغشاوة والبياض إذا حل بماء واكتحل به ، وإذا أحرقت نشارته على طابق ، ثم غسلت واكتحل به ينفع من الرمد اليابس وجرب العين ، وقال غيره : ينفع من حرق النار ويحل النار ويحل نفخ البطن ، واللّه الموفق .