زكريا القزويني

146

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

67 فصل : في صيرورة السهل جبلا والبر بحرا وعكسهما قالوا : إذا امتزج الماء بالطين وكان في الطين لزوجة وأثرت فيه حرارة الشمس مدة طويلة صار حجرا ، كما ترى النار إذا أثرت في اللبن صلبتها وجعلتها آجرا ، فإن الآجر نوع من الحجر إلا أنه رخو ، وكلما كان تأثير النار فيه أكثر كان أشبه بالحجر ، فزعموا أن تولد الجبال من اجتماع الماء والطين وتأثير الشمس . وأما سبب ارتفاعها وشموخها فجاز أن يكون بسبب زلزلة فيها خسف فتخفض بعض الأرض وترفع بعضها ، ثم المرتفع يصير حجرا كما ذكرنا ، وجاز أن يكون بسبب أن الرياح تنقل التراب من مكان إلى مكان ، فتحدث تلال ووهادا ، ثم يتحجر بسبب ما قلنا . وذكر صاحب علم المجسطي : أن في كل ست وثلاثين سنة ينتقل أوجات الكواكب ويدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة ، فإذا انتقلت من الشمال إلى الجنوب تختلف مسامتات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض ؛ فيختلف بها الليل والنهار ، والشتاء والصيف ، والحر والبرد ، ويتغير أرباع الأرض ؛ فيصير العمران خرابا ، والخراب عمرانا ، والبراري بحارا ، والبحار براري ، والسهول جبالا ، والجبال سهولا . ( وأما صيرورة الجبال سهولا ) فإن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها بطول الزمان تنشف رطوبتها ، وتزداد يبسا وجفافا ، وتنكسر خاصيته عند الصواعق ؛ فتصير أحجارا وصخورا ورمالا ، ثم إن السهول يحملها إلى بطون الأنهار والأدوية ثم تحملها بشدة جريانها إلى البحار ، فتنبسط في قعرها ساقا بعد ساق بطول الزمان ، ويتلبد بعضها فوق بعض ، فيحصل في البحار جبال وتلال ، كما يتلبد من هبوب الرياح دعاص الرمل في البرد . ولذلك قد يوجد في جوف الأحجار إذا كسرت صدفة أو عظم ، وذلك بسبب اختلاط طين هذا الموضع بالصدف والعظم ، وقد يصير البحر يبسا واليبس بحرا ؛ لأنه كلما انطمت قطعة من البخار على الوجه الذي ذكرناه . فالماء يرتفع ويطلب الاتساع على سواحله ، ويغطي بعض البر بالماء ، ولا يزال كذلك حتى تصير مواضع البر بحرا ، وهكذا لا تزال الجبال تنكسر وتصير حصى ورمالا يحملها سيول الأمطار مع طين ممرها إلى قعر البحار ، وينعقد فيها كما ذكرناه حتى يستوي مع وجه الأرض ، فيجف وينكشف ، وينبت العشب عليها الأشجار ؛ فتصير مسكنا للسباع والوحوش ، فيقصده