زكريا القزويني
147
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
الناس لطلب المنافع من الصيد والحطب وغيرهما ، فيصير مسكنا للناس موضعا للزرع والغرس فيصير مدنا وقرى ، فسبحانه ما أعظم شأنه ! 68 فصل : في فوائد الجبال وخواصها وعجائبها أما فائدتها العظمى فما ذكره اللّه تعالى في كتابه : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [ النحل : 15 ] وقال بعضهم : لو لم تكن الجبال لكان وجه الأرض مستديرا أملس ، فكان مياه البحار تغطيها من جميع جهاتها ، وتحيط بها إحاطة كرة الهواء بالماء ؛ فبطلت الحكمة المودعة في المعادن والنباتات والحيوانات ، فاقتضت الحكمة الإلهية وجود الجبال لما ذكرناه من الحكمة . وقال بعضهم : إن الجبال لوجود الماء العذب السائح على وجه الأرض الذي هو مادة حياة النبات والحيوان ؛ وذلك لأن سبب هذا الماء انعقاد البخار في الجو فيصير سحابا ، والجبال الشامخة الطوال في المشرق والمغرب والجنوب والشمال تمنع الرياح أن تسوق البحار ، بل تجعلها منحصرة حتى يلقحها البرد ؛ فيصير مطرا أو ثلجا ، فلو فرضت الجبال مرتفعة على وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء . والبخار المرتفع لا يبقى في الجو منحصرا إلى وقت يضربه البرد ، بل يتحلل ويستحيل هواء ، فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قدرا ينزل مطرا ، ثم تنشفه الأرض فيعرض من ذلك أن الحيوان يعدم الماء في الصيف عند شدة الحاجة إليه ، كما في البادية البعيدة ؛ فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال ؛ ليحصر البخار المرتفع من الأرض من أغوارها ويمنع من السيلان ، ويمنع الرياح أن تسوقها كما يمنع السقف الماء فيبقى محفوظا إلى أن يلقحه البرد زمان الشتاء ، فيجمده ويعصره فيصير ماء ، ثم ينزل مطرا وثلجا . والجبال في أجرامها مغارات وأهوية وأوشال وكهوف ، فيقع على قللها الأمطار والثلوج ، وينصب إلى تلك المغارات والأوشال ، وتبقى فيها مخزونة ، وتخرج من أسافلها من منافذ ضيقة وهي العيون ، فساحت منها المياه على وجه الأرض ؛ فينتفع بها النبات والحيوان وما فضل ينصب إلى البحار ، فإذا فني ما استفادته من الأمطار والثلوج لحقها نوبة الشتاء فعادت إلى مكان ، ولا يزال دأبها كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله . ( ولنذكر ) بعض الجبال وخواصها العجيبة مرتبا على حروف المعجم إن شاء اللّه تعالى . ( جبل أولشان ) بأرض الروم ، في وسط هذا الجبل درب فيه دوران ، من اجتاز فيه وهو في