زكريا القزويني

143

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

والماء محيط بها إلا القدر البارز الذي جعله اللّه تعالى مقرّا للحيوان ، وبعد الأرض من السماء من جميع جهاتها متساوية ، وليس شيء من مظاهر سطح الأرض أسفل كما توهم كثير من الناس ، ممن ليس له بالهيئة والهندسة . ثم إن الإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض فرأسه أبدا مما يلي السماء ، ورجله أبدا مما يلي الأرض ، وهو يرى من السماء نصفها ، وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء بقدر ما خفي من الجانب الآخر تسعة وعشرين فرسخا درجة . والبحر المحيط الأعظم أحاط بأكثر وجه الأرض ، والمكشوف منها قليل على مثال بيضة غائصة في الماء ، وانكشف بعضها ، وعلى المنكشف منها : الجبال والتلال والوهاد ، ولها : منافذ وخلجان وأنهار وبطائح وآجام وغدران ، وما فيها قيد شبر إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان ، ولا يعلم تفصيلها إلا اللّه وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] . 62 فصل : في اختلاف آراء القدماء في هيئة الأرض قال بعضهم : إنها مبسوطة التسطيح في أربع جهات : المشرق والمغرب والجنوب والشمال . وقال بعضهم : هي كشكل الترس ، ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل . وذهب آخرون : أنها كنصف الكرة ، والذي يعتمد عليه جماهيرهم أن الأرض مدورة كالكرة موضوعة من جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة ، وأنها في الوسط على مقدار واحد من جميع الجوانب . ومن القدماء من أصحاب فيثاغورس من قال : الأرض متحركة دائما على الاستدارة ، والذي نرى من دوران الفلك إنما هو دور الأرض لا دور الكواكب . وقال بعضهم : إنها واقعة في الوسط على مقدار واحد من كل جانب ، والفلك بها من كل وجه ؛ فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون ناحية ؛ لأن قوة الأجزاء متكافئة مثل ذلك . ( حجر المغناطيس ) الذي يجذب الحديد ؛ لأن في طبع الفلك أن يجتذب الأرض ، وقد استوى الجذب من جميع الجهات ؛ فوقعت في الوسط ، ومنهم من قال : إنها مدورة واقفة في الوسط ، وسببه دوران الفلك وسرعة حركته ودفعه إياها من كل جهة إلى الوسط ، كما أنه لو جعل تراب أو حجر في قارورة مدورة وأديرت في الخرط بقوة قام التراب أو الحجر في الوسط ، واللّه الموفق .