زكريا القزويني
110
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
( ومنها ) حيات عظيمة تخرج إلى البر ، وربما تبلغ الجاموس والفيل ، وتنطوي على صخرة أو شجرة فتكسر عظامها في بطنها ، فيسمع لكسر العظام صوت ، وفي هذا البحر مغاص الدردور ، فإذا وقعت السفينة دارت فيه ولم تكد تخرج ، والملاحون يعرفون مكانه ويجتنبون عنه . حكى بعض التجار قال : ركبت هذا البحر في جمع من التجار فجاءتنا ريح عاصف صرفت المركب عن طريق المقصد ، وكان معلم المركب شيخا حاذقا إلا أنه كان أعمى ، وكان يستصحب معه في السفينة شيئا كثيرا من الحبال ، وأصحابه ينكرون عليه ويقولون : لو حملنا مكان الحبال أحمال التجارة لأصبنا خيرا ، فلما أصابتنا الريح العاصف كان المعلم يقول لأصحابه : انظروا ماذا ترون ؟ وهم يخبرونه بالحال ، إلى أن قالوا : نرى طيرا أسود على وجه الماء ، فجعل يدعو بالويل والثبور ويضرب على رأسه ، ويقول : هلكنا واللّه ، فسألناه عن سبب ذلك ، فقال : سترون ما يغنيكم عن إخباري . فما كان إلا يسير حتى وقعنا في الدردور والذي حسبناه طيرا أسود كانت مراكب فيها أناس موتى ، فبقينا حيارى ، وانقطع رجاؤنا عن الحياة ، وانتظرنا الموت ، فلما شاهد المعلم منا ذلك قال : يا قوم ، هل لكم أن تجعلوا لي شطر أموالكم على إخراجي إياكم من هذه الغمرة ؟ فقلنا : رضيا بذلك ، فأمر بأخذ قنينتين مملوءتين من الدهن فأدليتا في البحر ، فاجتمع عليها من السمك ما لا يحصى ، ثم أمر بتشريح الموتى الذين كانوا في المراكب وشدها في الحبال التي كانت معه ، ورموها في البحر ؛ فأكلها السمك ، ثم أمر القوم بضرب الدف والأخشاب والصياح والتصفيق فإذا المركب تحرك عن مكانه وجرى فلم يزل يفعل ذلك حتى خرجنا من الدردور ، ثم أمر بقطع الحبال فنجونا سالمين بإذن اللّه تعالى . ( بحر الهند ) هو أكبر البحار وأوسعها وأكثرها خيرا ، ولا يعلم أحد بكيفية اتصاله بالبحر المحيط ؛ لعظم اتصال الموضع وسعته ، وليس كالبحر الغربي ، فإن انفصال البحر الغربي عن المحيط ظاهر ، ويتشعب من الهند خلجان ، وأعظمها بحر فارس والقلزم ، فالآخذ منه نحو الشمال بحر فارس ، والآخذ منه نحو الجنوب بحر الزنج . قال ابن الفقيه : بحر الهند حاله مخالف لبحر فارس ؛ لأن عند نزول الشمس الحوث وقربها من الاستواء الربيعي يبدأ بالظلمة وكثرة الأمواج ؛ فلا يركبه أحد ؛ لظلمته وصعوبته ، ولا يزال كذلك إلى قرب الاستواء الخريفي وأشد ما تكون ظلمته وصعوبته عند نزول الشمس في الجوزاء ، فإذا صارت الشمس إلى السنبلة تقل ظلمته وتنقص أمواجه ويلين ظهره ؛ فيسهل ركوبه