زكريا القزويني

104

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

أما ارتفاعها فزعموا أن الشمس إذا أثرت في مياهها لطفت ، وتحللت وملأت مكانا أوسع مما كان فيه قبل ، فدافعت أجزاؤها بعضها بعضا إلى الجهات الخمس ؛ الشرق والغرب والجنوب والشمال والفوق ، فتكون على سواحلها في وقت واحد رياح مختلفة ، هذا ما ذكروه في سبب ارتفاع مياهها . وأما مد بعض البحار في وقت طلوع القمر ، فزعموا أن في قعر البحر صخورا صلدة وأحجارا صلبة ، وإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح أشعته إلى تلك الصخور والأحجار التي في قرارها ، ثم انعكست من هناك متراجعة فسخنت تلك المياه وحميت ولطفت ، فطلبت مكانا أوسع ، وتموجت إلى ساحلها ، ودفع بعضها بعضا ، وفاضت على شطوطها ، وتراجعت المياه التي كانت تنصب إليها إلى خلف . فلا تزال كذلك ما دام القمر مرتفعا على وسط سمائه ، فإذا أخذ ينحط سكن غليان تلك المياه وبردت تلك الأجزاء وغلظت ، ورجعت إلى قرارها ، وجرت الأنهار على عادتها ، فلا يزال كذلك دائما إلى أن يبلغ القمر إلى الأفق الغربي . ثم يبتدئ المد على مثال عادته في الأفق الشرقي ، ولا يزال ذلك دائما إلى أن يبلغ القمر إلى وتد الأرض وينتهي المد ، ثم إذا زال القمر عن وتد الأرض أخذ الماء راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى أفقه الشرقي ، هذا قولهم في مد البحار وجزرها . وأما هيجانها فكهيجان الأخلاط في الأبدان ، فإنك ترى صاحب الدم والصفراء وغيرهما يهتاج به الخلط ثم يسكن قليلا قليلا ، وقد عبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك بعبارة لطيفة فقال : « إن الملك الموكل بالبحر يضع رجله بالبحر فيكون منه المد ثم يرفع فيكون منه الجزر » ، ولنذكر الآن هيئات البحار وبعض ما يتعلق بها من العجائب ، واللّه الموفق . ( البحر المحيط ) والبحر العظيم الذي منه مادة سائر البحار ، ولم يعرف ساحله ، يسميه اليونانيون أوقيانوس ، والبحار التي تراها على وجه الأرض هي بمنزلة الخلجان له ، وفيها من الجزائر المسكونة والخربة ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى . قال أبو الريحان الخوارزمي رحمه اللّه تعالى : إن البحر الذي في مغرب المعمورة على ساحل بلاد الأندلس يسمى البحر المحيط ، ويسميه اليونانيون أوقيانوس ، لا يولج فيه ، وإنما يسلك بالقرب من ساحله ويمتد من هذه البلاد نحو الشمال ؛ فيخرج منه خليط نبطس عند اليونانيين ،