زكريا القزويني
105
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
وعند غيرهم بحر طرابنده يمر عليه سور القسطنطينية ، ويتضايق حتى يقع في بحر الشام ، ثم يمتد نحو الشمال على محاذاة أرض الصقالبة ، ويخرج منه خليج عظيم في شمال الصقالبة يمتد إلى أرض قريبة من أرض بلغام . ( البحر الأبيض ) ينحرف نحو المشرق بين سالحه وبين أقصى أرض الترك أرضون وجبال مجهولة وخربة غير مسلوكة ، ثم يتشعب منه خليج من أعظم الخلجان يكون منه البحر الذي يسمى في الموضع من الأرض التي تحاذيه باسمه ، فيكون أولا بحر الصين ، ثم بحر الهند ، ثم يخرج منه خليجان عظيمان ؛ أحدهما : بحر فارس ، والآخر : بحر القلزم « 1 » ، ثم ينتهي إلى بحر معروف ببحر البربر ، ويمتد من عدن إلى سقالة الزنج . وهذا البحر لا يتجاوزه مركب لعظم المخاطرة ، ثم ينتهي إلى الجبال المعروفة بالقمر التي ينبع منها عيون نيل مصر ، ثم إلى أرض سودان المغرب ، ثم إلى بلاد الأندلس وبحر أوقيانوس ، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يعرفه إلا اللّه تعالى . وأما ما وصل إليه الناس فكثير ، كل جزيرة من عشرين فرسخا إلى مائة فرسخ وإلى ألف فرسخ ، والمشهور منها جزيرة قبرص وجزيرة شامس وجزيرة رودس وجزيرة صقلية ، وفي جهة الجنب جزائر الزنج وسرنديب وسقطر أو جزائر الدنيجات . وأما بحر الخزر ، فإنه غير متصل بالمحيط ولا بشيء من البحار ، وهو مستدير إذا أراد السائر أن يطوف به على ساحله لا يمنعه شيء . وذكر السمرقندي في كتابه أن ذا القرنين أراد أن يعرف ساحلي هذا البحر ؛ فبعث مركبا فيه ، وأمره بالمسير سنة كاملة ، لعله أن يأتي بخبر ، فسار المركب سنة كاملة ما رأى سوى سطح الماء وأراد الرجوع ، فقال بعضهم : نسير شهرا آخر لعلنا نطلع على شيء نبيض به وجوهنا عند الملك ، ونقلل الزاد والماء في الرجوع ، فساروا شهرا آخر فإذا هم بمركب فيه أناس ، فالتقى المركبان ولم يفهم أحدهما كلام الآخر ، فدفع قوم ذي القرنين إليهم امرأة وأخذوا منهم رجلا ، ورجعوا به وزوجوه امرأة منهم ، فأتت بولد يفهم كلام الوالدين ، فقالوا له : سل أباك من أين جئت ؟ فقال : من ذلك الجانب ، فقال : لأي شيء ؟ قال : بعثنا الملك لنعرف حل هذا الجانب ، فقيل له : وهل لكم ملك ؟ قال : نعم ، أعظم من هذا الملك ، واللّه أعلم بصحة هذا القول .
--> ( 1 ) بحر القلزم : هو البحر الأحمر الذي يفصل قارة إفريقيا عن قارة آسيا .