زكريا القزويني

100

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

طرف الناظر حادة والأخرى منفرجة ، فلو فرضنا خطّا خارجا من النقطة المشتركة بين هذين الخطين مخالفا لجهة الناظر وكون وضعه من هذا الجسم الصقيل كوضع خط الناظر ، فكل جسم كثيف وقع في طريق هذا الخط يراه الناظر ، وتسمى هذه الرؤية انعكاس البصر ، كما إذا رأى الإنسان في المرآة من كان خلفه أو على جانبيه أو كان فوقه أو تحته إذا كان بهذه الشرائط ، واللّه الموفق . ( المقدمة الثانية ) إن المرآة الصغيرة لا يرى فيها شكل الأشياء كما هي ، بل يرى منها لونها كالشكل المربع والمثلث وأمثالهما ، فإن شكلها لا يرى في المرآة الصغيرة بل يرى لونها كأحمر وأسود . ( المقدمة الثالثة ) إن المرآة إذا كانت ملونة لا يرى فيها لون الأشياء كما هي ، بل فيها مشوبة بلون المرآة كالكافور في الشيء الأخضر ، فإنه يرى أبيض مشوبا بلون الخضرة ، وهكذا سائر الألوان . ( المقدمة الرابعة ) إن ما يرى في المرآة لا حقيقة له في المرآة ؛ لأنه لو كان له في المرآة حقيقة لكان الناظر إذا انتقل إلى مكان آخر رأى ذلك الشيء فيه على وضعه ، وليس كذلك ؛ لأنا نرى شجرة في المرآة ثم إذا انتقلنا إلى جانب آخر نرى الشجرة في جانب غير ذلك الجانب ، وما كان حقيقيّا لا يتغير مكانه بسبب تغير مكان الناظر إليه ، فثبت أن ما يرى في المرآة لا حقيقة له ، بل هو من باب الخيال . ومعنى الخيال في هذا المقام أن ترى صورة الشيء مع صورة غيره بتوهم أن إحداهما داخلة في الأخرى ، ولا يكون في الحقيقة كذلك ، بل إحداهما ترى بواسطة الأخرى من غير ثبوتها فيها ، فإذا نظر الناظر في المرآة فكل جسم تكون نسبته إلى المرآة كنسبة الناظر على ما بيناه في انعكاس شعاع البصر يصير مرئيّا ، إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : وباللّه التوفيق . ( أما الهالة ) فتحدث من أجزاء ثقيلة صغيرة حدثت في الجو ، وأحاطت بغيم رقيق لطيف لا يستر ما وراءه ، وانعكس من الأجزاء الثقيلة شعاع البصر إلى القمر ؛ لأن ضوء البصر وغيره إذا وقع على الصقيل ينعكس إلى الجسم الذي يكون وضعه من ذلك الصقيل كوضع المضيء منه ، إذا كانت جهته مخالفة لجهة المضيء ، فيرى ضوء القمر ، ولا يرى شكله ؛ لأن المرآة إذا كانت صغيرة لا يرى شكل المرئي فيها ، بل ضوؤه ، فيؤدي كل واحد من تلك الأجزاء ضوءه ، فيؤدي كل واحد من تلك الأجزاء ضوء القمر ، فترى دائرة مضيئة وهي الهالة .