زكريا القزويني
101
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
( وأما قوس قزح ) « 1 » فإنما يكون إذا حدثت في خلاف جهة الشمس أجزاء مائية شفافة صافية من نزول مطر وبخار ، وكانت الشمس مكسوفة قريبة من الأفق المقابل ، ووراء تلك الأجزاء جسم كثيف مثل جبل أو سحاب مظلم ، وإذا استدبر الناظر الشمس ونظر إلى تلك الأجزاء صارت الشمس في خلاف جهة الناظر ، فانعكس شعاع البصر من تلك الأجزاء إلى الشمس ؛ لكونها صقيلة ، فأدت ضوء الشمس دون الشكل ؛ لكونها أجزاء صغيرة ، فكل واحد يؤدي ضوء الشمس دون شكلها كما بينا . وسبب استدارة القوس وقوع الأشياء مستديرة بحيث لو جعلنا مركز جسم الشمس قطب دائرة على محيط فلكها ؛ لكانت تلك الأجزاء مسامتة لتلك الدائرة ، وتختلف ألوان القوس بحسب تركب لون المرآة ولون الشمس كما بينا ، فترى قسيا مختلفة الألوان بعضها أحمر وبعضها أخضر وبعضها أرجواني ، وأغلب الأوقات لونها مركب من ثمانية ، وقد ترى في بعض الأوقات فيها أصفر أيضا . فلو لم يكن وراء الأجزاء الثقيلة التي حدثت بعد المطر أو البخار جسم كثيف لا يظهر قوس قزح ؛ لأن الأجزاء الشفافة ينفذ شعاع البصر فيها ولا ينعكس كالبلور إذا جعلته في مقابلة الشمس من غير أن يكون وراءه جسم كثيف ينعكس عنه شعاع البصر . قال بعضهم : سبب اختلاف ألوانها قربها من الشمس وبعدها ، فما يرى منها أحمر فإنه أقرب إلى الشمس ، وما يرى أصفر فإنه أبعد من الأحمر ، وما يرى أرجوانيّا فبعيد عن الشمس ومخالط للظلمة ، وما يرى كميتا فمركب من الصفرة والأرجواني والبنفسجي . وحكى الشيخ الرئيس أنه كان على الجبل الذي بين باورد وطوس ، وأنه أعلى الجبال ، وكانت السماء مكشوفة ، فقال : كنت في وسط الجبل ، بيني وبين الأرض سحاب رطب ، والشمس في وسط السماء ، فنظرت إلى السحاب الذي كان بيني وبين الأرض فرأيت دائرة نقية بلون قوس قزح ، فشرعت في النزول عن الجبل والدائرة تصغر ، فكلما نزلت رأيتها أصغر مما كانت قبل ذلك إلى أن وصلت إلى السحاب فاضمحلت .
--> ( 1 ) ويظهر هذا القوس في سماء مصر في فصل الشتاء ، وهو عبارة عن قوس يقسم السماء نصفين مكون من سبعة ألوان رئيسة ، وهي ألوان الطيف .