السيد محمد بيرم الخامس التونسي

88

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

يعتمد فيها المؤرّخون على التوراة وهي قد وقع فيها التحريف قطعا في كثير من الآيات لا سيما ما يتعلق بالتاريخ تحريفا فاحشا ، ولا يلتفت لغلط ابن خلدون « 1 » في دعواه عدم التحريف بعد إثباته بالعيان ، وفيما أثبته الشيخ رحمة اللّه قدّس سرّه في كتاب إظهار الحق من الاختلاف الكثير في التاريخ بين نسخ التوراة القاضي بعضها باجتماع نوح وإبراهيم وبعضها بالبعد الكثير بينهما ، وحرره مؤرخوهم أنه سنة ( 352 ) مع أن العبرانية تقضي باجتماعهما لأن نوحا مات بعد ولادة إبراهيم ب 58 سنة ، والسامرية تقتضي أن إبراهيم ولد بعد موت نوح ب 592 سنة ، واليونانية تقتضي أنه بعده ب 732 سنة والأولى يخالفها الإجماع والأخر بينهما التناقض التام ، وغاية المحقق أن إبراهيم لم يجتمع بنوح في عصر عليهما السلام ، والاختلافات على هذا النمط وعدم التحرير في التواريخ كثير جدّا فلا اعتماد حينئذ على ما هو موجود من التوراة ، نعم أن متأخري المؤرخين قد اعتنوا بهذا الفن وحرروه باستدلالات من الآثار القديمة والاطلاع على لغات قديمة لكن لم نطلع إلى الآن على أدلة وجدوها تثبت مدة زمن ذي القرنين على فرض تعينه وكم عدد السنين بيننا وبينه . وأما ثانيا : فلا يبعد أن يكون لذي القرنين إذ ذاك من آلات حمل الأثقال وتيسير السفر ما لا يعلم الآن ، ويداعمه قوله تعالى في حقه : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً [ الكهف : 84 ] مما يقتضي اتساع اقتداره وتهييء الأسباب لمقاصده ، كعلم جر الأثقال مثلا الذي شوهدت الآن آثاره مما لم يقدر عليه متأخروا هذا العصر ، وكذلك النحت للقطع الهائلة التي لم تعلم كيفية قطعها ونقلها ، سيما وقد وجد في مصر من صورة السلك الكهربائي والرتل ما يقتضي علمه سابقا ، مع صور آلات أخرى غير معلومة كما سيأتي الكلام عليه في أحوال مصر . فيمكن أن تكون حالة الأرض على هيئتها هاته ولذي القرنين وعلمائه وجنوده من المعارف والآلات ما تيسر لهم به الوصول إلى الأماكن الصعبة مما لم نعلمه الآن ، وأما قول بعض المؤرّخين : « إن الواثق « 2 » من بني العباس أرسل معتمدين إلى السدّ وقاسوا بابه وقفله إلى غير ذلك من الصفات التي ذكرت له » . فإنا لم نكن على ثقة منه ولم نعتمد عليه ، سيما ولم يعين أولئك المؤرخون مكانه وإنما يقتضي كلامهم أنه في الجهة الشمالية الشرقية من آسيا ، فلا يبعد أن يكون ما وصلوا إليه هو سور الصين ، وإذا فرضنا أنه هو المراد بالسد في النصوص الواردة ، يلزم حمل الصفات المذكورة فيها على بقاع من ذلك

--> ( 1 ) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الأشبيلي ( 732 - 808 ه ) مؤرخ فيلسوف عالم اجتماعي بحاثة . توفي بالقاهرة . الأعلام 3 / 330 نيل الابتهاج ( 17 ) تعريف الخلف 2 / 213 العبر 7 / 379 دائرة المعارف الإسلامية 1 / 152 نفح الطيب 4 / 414 وفي الضوء اللامع 4 / 145 رقم الترجمة ( 387 ) . ( 2 ) هو هارون ( الواثق باللّه ) ابن محمد المعتصم باللّه بن هارون الرشيد أبو جعفر ( 200 - 232 ه ) من خلفاء الدولة العباسية بالعراق . مات في سامراء . الأعلام 8 / 62 وفي الكامل في التاريخ 7 / 10 وفي تاريخ اليعقوبي 3 / 204 وفي تاريخ بغداد 14 / 15 وفي مروج الذهب 2 / 278 .