السيد محمد بيرم الخامس التونسي

89

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

السور ككونه من زبر الحديد ومفرغ عليه النحاس والصدفان . حينئذ طرفان من ذلك السور كما تأوّل صفات يأجوج ومأجوج ، إلى ما يصح إطلاقها به على التتر والمنشورية ، ويكون وعد اللّه الذي يدك فيه السدّ هو قرب الساعة ولا شك أن الساعة قربت ، كما أعلم به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى كناية عن مزيد القرب » « 1 » وكما قال تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر : 1 ] . فما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى شيء قليل جدّا ، والطبيعيون أنفسهم مقرون بذلك لما يستدلون به من كيفية تكوين الأرض وارتباطها بالأجرام العلوية . وحينئذ يكون الفساد الموعود به في النصوص من أولئك القوم ، هو ما وقع من التتر المنغولي من الفساد في الممالك وكفى بوقائع جنكس خان « 2 » وما عثاه هو وأصحابه في الدنيا مصداقا لذلك ، فإن من له إلمام بتاريخه يرى فيه العجب العجاب وهي مصيبة عظمى لم تحدث على المسلمين مثلها ، وإنما تطاول الزمان وعدم علم الجمهور بها هو الذي لم يصير لها اعتبارا الآن ، وكل هذا الأخير مستبعد وإنما يلزم المآل إليه إذا فرضنا الإحاطة حقيقة بجميع أطراف الأرض ، والحاصل أنه مهما وجدنا نصا عن الصادق يلزم التسليم إليه والتصديق به فإن وجدنا ما يخالف فهمه في الوجود وجب فهمه على مقتضى الوجود ، إذ يستحيل مخالفة خبره للواقع ، وقد نص على هذا العلماء الراسخون ، ومنهم سعد الدين التفتازاني « 3 » في « التلويح » . ثم إن لمملكة الصين من الأنهر العظيمة الحاملة للسفن الشراعية والبخارية ما أغناهم عن تكثير الطرق الصناعية في الأرض . وأما الجهات التي لا تصل إليها الأنهر : فإنهم يصنعون فيها ترعا متصلة بالأنهر ميسرة للسير وحمل الأثقال ، حتى أن منها ترعة هي من عجائب الدنيا طولها نحو ستمائة وخمسين ميلا ، وصنعت في عدة أجيال من الجيل السابع من تاريخ المسيح أي القرن الثاني الهجري إلى القرن الثامن من الهجرة ، ولم تحدث فيها الطرق الحديدية إلى الآن .

--> ( 1 ) الحديث في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم كتاب الفتن برقم ( 135 ) وفي النسائي 3 / 189 وفي الترمذي ( 2214 ) وفي ابن ماجة ( 45 - 4040 ) وفي السنن الكبرى للبيهقي 3 / 206 وفي الدر المنثور 3 / 147 و 6 / 50 وفي الترغيب والترهيب للمنذري 1 / 83 وفي أسباب النزول للواحدي ( 178 ) وفي إتحاف السادة المتقين 10 / 254 وفي مشكاة المصابيح ( 1407 - 5505 ) وفي كنز العمال ( 38348 - 39571 ) . ( 2 ) هو جنكيز خان ابن يشوكي ( 1167 - 1227 ه ) منشىء الإمبراطورية المغولية ولد في إقليم دولون بلدة في ( بلاد الروس ) وكان اسمه الأصلي « تيموجين » . هز بحروبه أركان الدول جميعا فيما بين الصين والبحر الأسود المنجد في اللغة والأعلام ( 219 ) . ( 3 ) هو مسعود بن عمر بن عبد اللّه التفتازاني سعد الدين ( 712 - 793 ه ) عالم بالعربية والمنطق توفي في سمرقند . الأعلام 7 / 219 بغية الوعاة ( 391 ) مفتاح السعادة 1 / 165 .