جلال الدين السيوطي
291
الدر المنثور في التفسير بالمأثور
لا يقتبس منها ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين فلما رأى ذلك موسى قال إن لهذه شأنا ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة لا يدرى من أمرها ولا بما أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت فوقف متحيرا لا يدرى أيرجع أم يقيم فبينا هو على ذلك إذ رمى بطرفه نحو فرعها فإذا هو أشد مما كان خضرة ساطعة في السماء ينظر إليها يغشى الظلام ثم لم تزل الخضرة تنور وتصفر وتبيض حتى صارت نورا ساطعا عمودا بين السماء والأرض عليه مثل شعاع الشمس تكل دونه الابصار كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه فرد يده على عينيه ولصق بالأرض وسمع الحنين والوجس الا انه سمع حينئذ شيئا لم يسمع السامعون بمثله عظما فلما بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهول نودي من الشجرة فقيل يا موسى فأجاب سريعا وما يدرى من دعاه وما كان سرعة إجابته الا استئناسا بالإنس فقال لبيك مرارا انى لأسمع صوتك وأحس حسك ولا أرى مكانك فأين أنت قال أنا فوقك ومعك وخلفك وأقرب إليك من نفسك فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي هذا الا لربه فأيقن به فقال كذلك أنت يا إلهي فكلامك اسمع أم رسولك قال بل أنا الذي أكلمك فادن منى فجمع موسى يديه في العصا ثم تحامل حتى استقل قائما فرعدت فرائصه حتى اختلفت واضطربت رجلاه وانقطع لسانه وانكسر قلبه ولم يبق منه عظم يحمل آخر فهو بمنزلة الميت الا ان روح الحياة تجرى فيه ثم زحف على ذلك وهو مرعوب حتى وقف قريبا من الشجرة التي نودي منها فقال له الرب تبارك وتعالى ما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي قال ما تصنع بها ولا أحد أعلم منه بذلك قال موسى أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولى فيها مآرب أخرى قد علمتها وكان لموسى في العصا مآرب كان لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين فإذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين وكان يتوكأ عليها ويهش بها وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه فعلق بها قوسه وكنانته ومرجامه ومخلاته وثوبه وزادا ان كان معه وكان إذا أرتع في البرية حيث لا ظل له ركزها ثم عرض بالوتد بين شعبتيها وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعا وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل بها وكان يقاتل بها السباع عن غنمه قال له الرب القها يا موسى فظن موسى انه يقول ارفضها فألقاها على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يرى يلتمس كأنه يبتغى شيئا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها عيناه توقدان نارا وقد عاد المحجن عرقا فيه شعر مثل النيازك وعاد الشعبتان فما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقب فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى أن ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد الخوف فقال خذها بيمينك ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى قال وكان على موسى حينئذ مدرعة فجعلها على يده فقال له ملك أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغنى عنك شيئا قال لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية ثم سمع حس الأضراس والأنياب ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين قال له ربه ادن فلم يزل يدنيه حتى شد ظهره بجذع الشجرة فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يديه في العصا وخضع برأسه وعنقه ثم قال له انى قد أقمتك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك إذ أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي وكنت بأقرب الأمكنة منى فانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وان معك يدي وبصرى وإني قد ألبستك جبة من سلطان لتكمل بها القوة في أمري فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر من نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعده من دوني وزعم أنه لا يعرفني وإني لأقسم بعزتي لولا العذر والحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض والجبال والبحار فان أمرت السماء حصبته وان أمرت الأرض ابتلعته وان أمرت البحار غرقته وان أمرت الجبال دمرته ولكنه هان على وسقط من عيني وسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحق لي أنى انا الغنى لا غنى غيري فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي وذكره بآياتي وحذره نقمتي وبأسي وأخبره انه لا يقوم شئ لغضبي وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله يتذكر أو