جلال الدين السيوطي

292

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

يخشى وأخبره انى إلى العفو والمغفرة أسرع منى إلى الغضب والعقوبة ولا يرو عنك ما ألبسته من لباس الدنيا فان ناصيته بيدي ليس بطرف ولا ينطق ولا يتنفس الا بإذني وقل له أجب ربك فإنه واسع المغفرة فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يسلبكه فعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان بجهاده فاني لو شئت ان آتيه بجنود لا قبل له بها فعلت ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه ان الفئة القليلة ولا قليل منى تغلب الفئة الكثيرة باذني ولا يعجبنكما زينته ولا ما متع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها ان مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكن أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي وقد نما ما حويت لهم من ذلك فاني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مواقع الهلكة وإني لأجنبهم شكوها وغمها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة وما ذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى واعلم أنه لم يتزين إلى العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا فإنه زينة المتقين عليهم منه لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سيماهم في وجوههم من أثر السجود أولئك هم أوليائي حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها وانا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي فيظن الذي يحاربني أو يعاديني أن يعجزني أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري قال فاقبل موسى إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها والأسد فيها مع ساستها إذا أرسلها على أحد أكلته وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة فاقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون فاقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون فقرعه بعصاه وعليه جبة من صوف وسراويل فلما رآه البواب عجب من جراءته فتركه ولم يأذن له فقال هل تدرى باب من أنت تضرب انما أنت تضرب باب سيدك قال أنت وأنا وفرعون عبيد لربي فانا ناصره فأخبر البواب الذي يليه من البوابين حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حاجبا كل حاجب منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال أدخلوه على فادخل فلما أتاه قال له فرعون أعرفك قال نعم قال ألم نربك فينا وليدا قال فرد إليه موسى الذي رد قال فرعون خذوه فبادر موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت فقال لموسى اجعل بيننا وبينك اجلا ننظر فيه قال موسى لم أومر بذلك انما أمرت بمناجزتك وان أنت لم تخرج إلى دخلت عليك فأوحى الله إلى موسى ان اجعل بينك وبينه أجلا وقل له ان يجعله هو قال فرعون اجعله إلى أربعين يوما ففعل قال وكان فرعون لا يأتي الخلاء الا في كل أربعين يوما مرة فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة قال وخرج موسى من المدينة فلما مر بالأسد خضعت له بأذنابها وسارت مع موسى تشيعه ولا تهيجه ولا أحدا من بني إسرائيل * قوله تعالى ( فاخلع نعليك ) الآية * أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه في قوله فاخلع نعليك قال كانتا من جلد حمار ميت فقيل له اخلعهما * وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال ما بال خلع النعلين في الصلاة انما أمر موسى بخلع نعليه انهما كانا من جلد حمار ميت * وأخرج عبد بن حميد عن كعب رضي الله عنه قوله فاخلع نعليك قال كان نعلا موسى من جلد حمار ميت فأراد ربك أن بمسه القدس كله * وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري في قوله فاخلع نعليك قال كانتا من جلد حمار أهلي * وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال كانت نعلا موسى التي قيل له اخلعهما من جلد خنزير * وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله فاخلع نعليك قال كي تمس راحة قدميك الأرض الطيبة * وأخرج الطبراني عن علقمة ان ابن مسعود أتى أبا موسى الأشعري في منزله فحضرت الصلاة فقال أبو موسى