جلال الدين السيوطي

231

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

قومه ذات يوم إذ قال لهم ما في الأرض أحدا أعلم منى فأوحى الله إليه ان في الأرض من هو أعلم منك وآية ذلك أن تزود حوتا مالحا فإذا فقدته فهو حيث تفقده فتزود حوتا مالحا فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلبه ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب فاتخذ سبيله في البحر سربا قال فتاه إذا جاء نبي الله حدثته فأنساه الشيطان فانطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به فقال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال فتاه يا نبي الله أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت ان أحدثك وما أنسانيه الا الشيطان فاتخذ سبيله في البحر سربا قال ذلك ما كنا نبغي فرجعا على آثارهما قصصا يقصان الأثر حتى انتهينا إلى الصخرة فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه فرفع رأسه فقال له من أنت قال موسى قال من موسى قال موسى بني إسرائيل قال فما لك قال أخبرت ان عندك علما فأردت ان أصحبك قال إنك لن تستطيع معي صبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا قال كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال قد أمرت ان أفعله قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى تخرقها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا قال ألم أقل انك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه فاخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا قال فاخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى أتيا أهل قرية وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد ان ينقض فأقامه قال له موسى مما نزل به من الجهد لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا فاخذ موسى بطرف ثوبه فقال حدثني أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فإذا مر عليها فرآها متخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرا وكان قد ألقى عليه محبة من أبويه ولو عصياه شيئا لأرهقهما طغيانا وكفرا فأراد ربك ان يبدلهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما فوقع أبوه على أمه فعلقت خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين إلى آخر الآية * وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم ان نوفا يزعم عن أبي بن كعب ان موسى النبي الذي طلب العلم انما هو موسى بن ميشا فقال ابن عباس كذب نوف حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان موسى بني إسرائيل سال ربه فقال أي رب ان كان في عبادك أحد أعلم منى فدلني قال نعم في عبادي من هو أعلم منك فنعت له مكانه فأذن له في لقيه فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل إذا حيى هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة والى ذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شئ ميت الا حيى فلما نزلا ومس الحوت الماء حيى فاتخذ سبيله في البحر سربا فانطلقا فلما جاوزا قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال الفتى وذكر أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت وما أنسانيه الا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ابن عباس فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسى فرد عليه ثم قال له ما جاء بك ان كان لك في قومك لشغل قال له موسى جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك فقال موسى بلى قال وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا أي ان ما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا وان رأيت ما يخالفني قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بها سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شئ أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها ان يحملوهما فحملوهما فلما