شرف خان البدليسي
100
شرفنامه
وفي الواقع أن هذا التدبير قد وافق التقدير الإلهي ؛ إذ ما وصلت عريضة صلاح الدين إلى مقام نور الدين ، وقد جاءت نتيجة للاجتماع الذي تم مع أفراد أسرته ، وكان قد بلغه ما دار في المجلس حتى أظهر العطف عليه والمودة له ، ورأى الصواب في أن يتركه في مصر وشأنه وألا يعكر عليه صفوه . وفي سنة ( 568 ه - 1172 م ) سقط نجم الدين أيوب عن جواده والتزم الفراش عدة أيام مريضا ثم مات ، فقام نجله العظيم على نهج السنة بتجهيزه وتكفينه ودفنه في مكان يليق به ، وقام بما ينبغي في الجلوس للعزاء . هذا وقد خلف نجم الدين أيوب ستة من الأولاد الذكور هم : صلاح الدين يوسف ، وسيف الدين محمد أبو بكر ، وشمس الدولة تورانشاه ، وسيف الإسلام طغرلتكين ( طغتكين ) ، وشهنشهاه ، وتاج الملوك بوري . ولما توفي نور الدين محمود في ( سنة 569 ه - 1173 م ) ، تم لصلاح الدين الاستقلال التام بالبلاد المصرية ، ولم يمض كبير وقت على ذلك إلا وأضاف إلى ملكه بلاد الشام أيضا ، فنشر ألوية العدالة وبسط رواق السلام على سكان هذه البلاد . ثم انتزع مدينتي : القدس ، وخليل الرحمن من أيدي غاصبيها النصارى ( الإفرنج ) كما أنه كلف ابن أخيه قراقوش « 1 » بفتح بعض من البلاد المغربية ، فزحف قراقوش بجيش لجب إلى تلك الجهات وانتزع بلدة طرابلس من أيدي الإفرنج ؛ وكانوا مستولين عليها . وفي الوقت الذي كانت شمس طالع صلاح الدين ساطعة تنير الآفاق ، جاءت الأنباء السارة إليه بأن أخاه شمس الدولة تورانشاه ، قد سطعت شمسه أيضا في أفق مملكة اليمن حيث هزم الزنديق المتغلب على تلك البلاد المدعو عبد النبي الذي قتل في المعارك التي نشبت بينهما . وسبق القول إن أكثر بلاد الشام مع بلدة دمشق قد سقطت في أيدي رجال صلاح الدين في سنة ( 570 ه - 1174 م ) ، وأصبحت خالصة له ، وأن الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود قد اكتفى بحكومة حلب فقط . هذا وقد صدر أمر صلاح الدين في سنة ( 572 ه - 1176 م ) بإنشاء سور كبير طوله تسعة وعشرون ألفا وثلاثمائة ذراع حول مصر والقاهرة مبتدأ من ناحية الصحارى ؛ فحشدوا لذلك البنائين والعمال من جميع الجهات ، وأخذوا يشتغلون ليل نهار لآخر حياة صلاح الدين .
--> ( 1 ) - هو مملوكه وليس ابن أخيه فليبحث . ذهب في معية فرخشاه ابن أخي صلاح الدين ، لفتح المغرب . ( المترجم )