ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )

21

رحلات في فارس

مناطق عديدة أخرى ، رغم أن الجو صاف و خال من السحب طوال الصيف ، إلا أن الرياح تهب في المساء ، مما يجعله منعشا حتى ساعة و نصف قبل الفجر ، و هذا عادة حاد و لطيف في الليل حتى إن على المرء أن يرتدي معطفا ثقيلا ليحمي نفسه من البرد . التأثير الثاني ، رغم أن هبوب الرياح يتوقف في فصول السنة الأخرى ، حتى إنه لا يلاحظ ، سترى السماء ملبدة بالغيوم التي تعبر بهدوء من الشرق إلى الغرب دون أي أثر لريح تقودها ، مما يعزز الاعتقاد أن اندفاعها قد يحدث لسبب آخر . ثمة جمال فاتن في جو فارس ، بحيث لا يمكنني لا نسيانه و لا تحمل ذكره لكل الناس . بوسع المرء القسم أن السماء قد رفعت إلى أوج ذروتها و صبغت بلون آخر ، و تختلف عن سماء أوروبا الثقيلة و كئيبة المناخ . و في هذه البلاد تنتشر مزايا الجو الحميدة ذاتها على كل وجوه الطبيعة و تعظم كل إنتاجها و كل الأعمال الفنية برونق و قوة و بقاء لا تضاهى ، دون ذكر كم ينشط سكون هذا الجو الجسد و يفعمه بالحياة و كم يؤثر على سعادة الحالة الذهنية ، التي ستسنح لي الفرصة للتعرض لها في تتمة حديثي . سأكتفي هنا بذكر ملاحظة واحدة لأعطي القاريء فكرة حقيقية و الإحساس بجودة و نقاء الجو في فارس . في معظم أرجاء البلاد و في أصفهان من بين مناطق أخرى ، ليست هناك حاجة لسد القوارير كي لا ينساب النبيذ ، لأنهم يستخدمون زهورا قرنفلية أو وردية و يضعونها في فم القارورة عوض السدادة ، و بعد أن يسكبوا منها قليلا ، لا يسدونها قط بعد ذلك . يعتقد المرء أن بقايا زجاجة فتحت لمدة أربع و عشرين ساعة قد تبخرت و وهنت ، غير أنها لا تتبدل إلا قليلا و به شكل لا يكاد يلاحظ . لنتكلم به شكل عام عن التبدل العام في الأوقات و الفصول ، و قبل كل شيء في قلب المملكة حيث يسير على النحو التالي : يبدأ الشتاء في نوفمبر / تشرين الثاني و يستمر بشدة و قوة حتى مارس / آذار ، حين يعم الصقيع و تتساقط الثلوج بكثافة في الجبال ، لكن ليس في السهول و البلاد السهلية المنبسطة . ثمة جبال تبعد مسير ثلاثة أيام عن أصفهان إلى الجانب