ژان باتيست تاورنيه

42

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

وصولنا إليها . فطلبت أن تنصب خيمتان في الميدان ، أي في السوق « 1 » الكبيرة . ويجدر بنا أن نتكلم قليلا على ما بين نهري دجلة والفرات من تباين في مجراهما ومياههما . فقد لاحظت أن ماء الفرات يبدو محمرا قليلا ، وأن تياره ليس سريعا كتيار دجلة الذي يظهر مائلا إلى البياض كنهر اللوار « 2 » . أما عن مجراهما فالفرات أطول من دجلة . والآن دعنا نقطع دجلة فوق جسر من القوارب « 3 » لمشاهدة الخرائب الكئيبة لمدينة نينوى التي ملأت العالم ضجيجا ، وليس في مظهرها الآن ما يدل على سابق مجدها . شيدت نينوى على الضفة اليسرى لدجلة ، أي في الضفة الأشورية . وهي الآن ليست إلا أكواما من التراب تمتد نحو فرسخ بامتداد النهر . ويرى فيها عدد من الأقبية والمغاور غير المأهولة « 4 » . ويصعب على الإنسان أن يعلم ما إذا كانت هذه بعينها المساكن القديمة في المدينة ، أم كانت هنالك بيوت مشيدة فوقها في الأزمنة الخالية . لأن معظم البيوت في البلاد التركية تشبه السراديب ، أو لا تتألف إلا من طبقة واحدة عالية . وعلى نصف فرسخ من دجلة تل تشتتت على سطحه بيوت وفي قمته مسجد يذهب أهل تلك البقعة إلى

--> ( 1 ) ما زالت « محلة الميدان » و « سوق الميدان » معروفتين مأهولتين في الموصل . وهذه السوق تمتد بموازاة دجلة ، من مشرعة شط القلعة إلى الجسر الحديدي الجديد . وبينها وبين النهر نحو مائتي متر . ( 2 ) اللوار من أنهار فرنسا . ( 3 ) كان للموصل منذ أقدم عصورها إلى يومنا هذا ، جسر يصل ما بينها وبين شاطئ دجلة الأيسر . وهو جسر خشبي من القوارب ، يجدد كلما ناله البلى . ولكن هذا الجسر الخشبي البسيط ، استعيض عنه ، سنة 1933 بجسر حديدي مكين راسخ الدعائم . ( 4 ) لم نفهم مراد المؤلف بقوله « الأقبية والمغاور » فهل يدل ذلك على حفريات وتنقيبات في نينوى منذ ذلك العهد ؟ مع أن المعروف بين علماء الآثار ، أن الحفريات في نينوى لم تبدأ إلا في سنة 1840 م وأن معظمها تم بشق الأنفاق في باطن التل لاستخراج الآثار منه ، ولا تزال معالم هذه الأنفاق تشاهد وكأنها أقبية ومغاور .