ژان باتيست تاورنيه
20
رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق
ومع أن الفرس يكرمون عليا تكريما بالغا ، فهم قلّما يحجون إلى ضريحه ، والسبب في ذلك هو أن الطريق التي يسلكونها قاصدين زيارة الضريح ، لا بد أن تمر ببغداد ، وهي تحت حكم السلطان العثماني . وعلى كل حاج حينذاك أن يدفع رسما قدره ثمانية قروش ، وهو أمر لم يكن ملك فارس ليرتاح إليه . إن الشاه عباس « 1 » كان يرى من المهانة أن تدفع رعيته مالا إلى الترك ، فعمد إلى صرفهم عن هذه الزيارة بغيرها ، ذلك أنه عمر مزارا في « مشهد » على الطريق من تبريز إلى قندهار . ثم إن الملوك الذين خلفوه كانوا على غراره في عدم السماح لرعاياهم بزيارة الإمام عليّ ، إذ يعتبرون دفع الجزية للسلطان امتهانا لكرامتهم ، وهذا هو السبب في أن جامع الكوفة لم يعد يتقدم إليه الفرس بالنذور . وعدا عن القناديل والشمعدانات التي تضاء ليل نهار ، فإن فيه اثنين من القراء يتلوان القرآن . وليس في هذه البلدة غير ثلاث أو أربع آبار ذات ماء آسن ، وقناة جافة « 2 » يقولون إن الشاه عباس مدها ليجلب فيها ماء الفرات إلى البلدة لأجل الحجاج والزوار . أما الطعام فلم نجد منه في هذه البلدة غير التمر والعنب واللوز ، وهذه يبيعونها بأسعار عالية . وعندما يؤمها الزوار ، وقليل ما هم ، يوزع الشيخ عليهم عند احتياجهم إلى الطعام الرز المطبوخ بالماء والملح وشيء من الدهن يصب فوقه . ونظرا لعدم وجود مرعى للمواشي ، فلا يتوفر عندهم الطعام . وعلى مسيرة يومين من مدينة علي ، التقينا في الساعة التاسعة صباحا ، بشابين من أسياد العرب ، يلقبان بسلطان ، وكانا أخوين ، أحدهما في سن السابعة عشرة ، والآخر في الثالثة عشرة . ولما نصبنا خيامنا نصبا خيامهما بجوارنا ، وكانت من قماش قرمزي لطيف جدا ، وكانت بين هذه الخيم خيمة مغطاة بالقطيفة الأرجوانية ، حاشيتها موشاة بشريط حريري جميل . وما كاد السيدان يستقران في خيامهما حتى ذهبنا أنا والكروان باشي لرؤيتهما . ولما
--> ( 1 ) هو الشاه عباس الكبير ، ابن محمد خدا بندا ، أحد ملوك إيران الصفويين دام حكمه من سنة 993 إلى 1037 ه ( 1585 - 1628 م ) . ( 2 ) راجع الملحق رقم 2 بصدد ماء النجف .