ژان باتيست تاورنيه

18

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

منهما أبنية قديمة منهارة من الآجر . لقد كان ماء هاتين البئرين شديد المرارة حتى أن الجمال عافته ، ومع ذلك ملأنا قربنا منه ، ظانين أننا سنزيل عنه مرارته بغليه . ولكن خاب تقديرنا لأن الأمر كان على العكس من ذلك . ومن هاتين البئرين اللتين لا يرجى من مائهما خير ، تمادى بنا السير ستة أيام دون أن نلقي بماء . فإذا أضفنا إلى ذلك الأيام الثلاثة السابقة ، كان مجموع ما مرّ على الجمال من الأيام التي لم تذق خلالها الماء تسعة . وفي نهاية هذه الأيام التسعة سرنا في أرض كثيرة التلال امتدادها ثلاثة فراسخ . وعند حضيض هذه التلال رأينا ثلاث برك ولما كانت الجمال تتنسم رائحة الماء من مسافة نصف فرسخ ، أخذت تسارع في سيرها إليها . وما إن انتهت إلى البرك حتى تزاحمت عليها وتدافعت ، فتكدر الماء من جراء ذلك وتلوث . ولهذا قرّ رأي الكروان باشي على المكوث في هذا الموطن يومين أو ثلاثة أيام ، ريثما يصفو الماء . وقد انتهزنا تلك الفرصة لطبخ الرز لأن هناك أحراشا كثيرة نامية حول البرك . وزاد في ابتهاج الناس هناك ان الفرصة واتتهم لصنع الخبز ، وقد رأيتهم يخبزونه بالوجه التالي : يحفرون أولا حفرة مستديرة في الأرض ، عمقها نصف قدم ، ومحيطها قدمان أو ثلاث ، ويملأونها بالحطب ، ثم يوقدون هذا الحطب ويغطون الحفرة بالطابوق أو الأحجار ، إلى أن تحمر ، وكانوا حينذاك يحضرون العجين فوق سفرة وهي عبارة عن قطعة مستديرة من النحاس ، يتخذون منها في سائر الأوقات مائدة للطعام . ثم يرفعون الرماد والطابوق وبعد أن ينظفوا الحفرة جيدا يضعون عجينهم فيها ، ثم يغطون الحفرة ثانية بالطابوق أو الأحجار الحارة ، ويدعونها على هذه الحال حتى الصباح . إن الخبز الذي يخبز بهذا الوجه ، لا يزيد ثخنه على إصبعين وكبره بقدر الكعك العادي ، وهو إلى ذلك لذيذ الطعم جدا . وفي أثناء مكوث القافلة عند البرك الثلاث ، قضيت أوقاتي بصيد الأرانب والحجلان التي تكثر في هذه البقاع . وفي الليلة التي سبقت مغادرتنا المكان ، ملأنا قربنا ثانية ، وكان الماء قد صفا وطاب وهذا الماء يتجمع من الأمطار التي تهطل على هذه المنخفضات . ولكنه يجف في فصل الصيف .